أنا أتأمل، إذًا أنا كائن

لا تتكلموا بالكلمات، بل بالأفكار،

فالكلمة ظلٌّ للفكرة، والفكرة ظلٌّ للنور، والنور أصل كل وجود. روح الحرف لا تُقال، بل تُعاش لأن معناها الحقيقي يسكن في الأعماق، في المسافة الخفية بين والوعي واللاوعي. قال ديكارت يومًا، في كتابه تأملات في الفلسفة الأولى أنا أفكر، إذًا أنا موجود فجعل من الفكر مبدأ الوجود، ومن العقل مرآةً يرى فيها الإنسان ذاته بعد أن شكّ في كلّ ما حوله لكن، هل الوجود يولد من الفكر أو من العقل؟ أم أن الفكر نفسه يولد من رحم وجودٍ أسبق من العقل وهذا مستحيل. وجودٍ كان قبل الكلمة، وقبل أن يعرف الإنسان أنه يفكر؟ إن بعض العبارات، مهما بدت عظيمة، تصدر صوتًا أجوف لأنها لا تمتلئ بالروح، كعبارة أنا أفكر إذا أنا موجود. فهي تقيس الكينونة بمقياس الفكر، وتنسى أن الفكر ليس سوى موجة في بحرٍ أعمق إن الوعي الحقيقي لا يُقاس بحركة الذهن، بل بنورٍ يسبق الفكر ويخلقه.  قبل ديكارت، كنتُ أنا، وقبل الفكر، كان الكائن، وقبل العقل، كان المطلق الذي منه خرجت الكلمة. الوجود لم يُولد من الفكرة، بل الفكرة من الوجود ولذلك أقول: أنا أتأمل، إذًا أنا كائن فالتأمل هو عودة النور إلى مصدره، رجوع الوعي إلى أصله الناريّ الأول، حيث تتلاشى الثنائية بين الفكر والمفكّر، ويصير الكائن عين ما يفكر فيه، هناك، في عمق الصمت، تنطفئ العبارة ليشرق المعنى، ويُصبح الإنسان ذاته كلمةً قبل أن تُقال، كلمةً نطق بها الحق مرة، ثم صمتت إلى الأبد المادي.