
الأمل ليس بديلاً عن العمل
تحوّل الأمل في لبنان من قيمة إنسانية محرِّكة إلى ملاذ نفسي يستعمله المواطن للهروب من الفعل. نردّد عبارات الأمل بالتغيير، كما لو أنها مشروع سياسي قائم بذاته، بينما الواقع يشهد على عكس ذلك تماما. فالأمل الذي لا يتجسّد في فعل ليس سوى شكلٍ آخر من أشكال الشلل والخنوع، بل تبرير ناعم للاستسلام. لا تكمن مشكلتنا في تراكم الأزمات فقط، بل في طريقة التعامل معها. نحن شعب بارع في تشريح الماضي، نعدّد الحروب، نحصي الخيبات، نستحضر الاغتيالات والانهيارات والخيانات، ثم نقف عند هذا الحد. نقف طويلا أمام مشاكل الأمس، نناقشها ونلعنها، لكننا نادرا ما نجرؤ على تحويل هذا الوعي إلى قرار. هكذا يصبح الماضي مادة للخطابة لا منطلقا للفعل. فهل أصبح اللبناني صاحب ردّات فعل فقط؟
في الخطاب العام، يُقدَّم الأمل وكأنه بديل عن العمل، وكأن الانتظار فضيلة وطنية. ننتظر تسوية خارجية، أو متغيرا إقليميا، أو انهيار الخصم من تلقاء نفسه، أو صدفة تاريخية تعيد ترتيب الأوراق. هذا النوع من الأمل ليس بريئا، إنه أمل كسول، يُريح الضمير ويُعفي صاحبه من المسؤولية. فمن يأمل بلا فعل لا يخطئ، لأنه بالحقيقة لم يحاول.
أيها الشركاء في الوطن، لا يولد التغيير من الوعي وحده، بل من الإرادة المنظمة، الوعي شرطٌ لازم، لكنه غير كاف. ففي لبنان، لا نعيب على سياسي فاشل او خانع او تابع، بل على مواطن انتخب الطقم السياسي نفسه ليعود فيلوم المؤسسات والاحزاب. الوعي موجود والناس تعرف من سرق منها حتى الأمل بغد أفضل، من دمّر الدولة، ومن صادر القرار؟ هل تعلمون من أيها المنتخِبون؟ اعلموا أن المعرفة التي لا تتحوّل إلى فعل جماعي تبقى معرفة معطّلة، أشبه بحقيقة محفوظة في درج مغلق. والأخطر أن الوقوف الدائم عند مشاكل الماضي يُستخدم أحيانا كذريعة لعدم مواجهة الحاضر. نختبئ خلف التاريخ كي لا نخوض معركة اليوم. نُكثر من التحليل، ونُقلّل من المبادرة. نُفرط في النقد، ونخشى التنظيم. وهكذا يبقى الأمل معلقا في الهواء، بلا أدوات، بلا خطة، وبلا شجاعة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأمل الخطابي، بل إلى أمل فعّال، أمل يُقاس بالقرارات لا بالشعارات، وبالتحركات لا بالنيات. الأمل الحقيقي ليس أن نؤمن بأن التغيير سيأتي، بل أن نتصرف كما لو أنه لن يأتي إلا من خلالنا.