في ظلّ الانهيار المتسارع الذي يعيشه لبنان سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لا بدّ من التوقف بوضوح وجرأة عند جذور الأزمة الحقيقية التي تتجاوز الأرقام والمعالجات المالية الشكلية، لتصل إلى عمق المشكلة وهي فساد الطبقة السياسية التي حكمت وتحكم لبنان منذ عقود، تحت عباءات الوصاية الخارجية، ومنظومات طائفية متخلفة، حوّلت الدولة إلى غنيمة لا إلى كيان سيادي مستقل من الوصاية السورية التي أجهزت على القرار الوطني لعقود طويلة، إلى الوصاية الإيرانية عبر سلاح غير شرعي يتنقّل لبنان من جهة خارجية إلى أخرى، في ظل طبقة سياسية عاجزة عن حماية الدولة، بل متواطئة على إضعافها وتقاسمها.
أ- فساد بنيوي بغطاء طائفي
لقد عانت الطبقة السياسية في مؤسسات الدولة فسادًا ممنهجًا، تم تغطيته بشعارات كاذبة عن العيش المشترك والخصوصية
اللبنانية فيما الحقيقة أن:
1- مناصب الدولة تُقسَّم بين زعماء الطوائف لا على أساس الكفاءة بل على قاعدة من مع مَن.
2- الموظف العام يخضع لولائه السياسي لا لتقييم موضوعي
3- المؤسسات القضائية والإدارية والأمنية رهينة المصالح الفئوية
4- المال العام نُهب عبر الصفقات، التلزيمات، التوظيف العشوائي، البنوك والمصرف المركزي
وبدلاً من دولة القانون والمؤسسات باتت الدولة مزرعة مشاعًا تُدار بالتهديد، والتعطيل، والصفقات، والسلاح غير الشرعي
ب- لا خلاص تحت أي وصاية والخطر قائم
إن من يعتقد أن لبنان يمكن أن يستمر كدولة ذات سيادة، في ظل استمرار سلاح خارج عن شرعية الدولة، أو في ظل هيمنة إقليمية على القرار السيادي، فهو واهم أو متواطئ. الوصاية السورية دمرت الحياة السياسية، والوصاية الإيرانية عطّلت الدستور والمؤسسات، والطبقة السياسية التي خضعت لهاتين الوصايتين لا تزال تحكم بعقلية الفساد والتبعية واللامسوؤلية
ج- الدعوة إلى وصاية الدولة على نفسها
إن المرحلة الحالية تتطلّب إعادة إنتاج السلطة السياسية من خلال مشروع وطني صريح، قانون انتخابات نيابية عصري ينتج تمثيلا حقيقيا لفئات المجتمع اللبناني ويعيد للدولة هيبتها وموقعها، ويقوم على المبادئ التالية
1- فرض سيادة الدولة بقوة القانون فقط، ونزع أي شرعية عن أي سلاح أو تنظيم يعلو على مؤسساتها
2- مكافحة الفساد في العمق، لا من خلال شعارات فارغة، بل عبر
ا- إنشاء جهاز مستقل لتقييم الموظف العام
ب- إخضاع الإدارات العامة لنظام التقييم المعتمد في القطاع الخاص
ج- محاسبة كل من تورّط في الهدر وسرقة المال العام، من أعلى الهرم إلى أصغر موظف
. د- محاكمات للفاسدين تنقل على الهواء كي يفهم المواطن مكمن الفساد
3- وقف التوظيف العشوائي فورًا، والانتقال إلى مبدأ الموظف المناسب في المكان المناسب، حتى ولو تم فصل الآلاف من وظائفهم وعلى من وظّفهم بالضغط السياسي ان يتحمل المسؤولية، التوظيف يجب ان يتم بمعايير الكفاءة لا الانتماء
4- إعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم، من خلال بناء مؤسسات فاعلة بدء بالحكومة الإلكترونية، وقضاء مستقل، وإدارة حديثة شفافة
د- نداء إلى القوى السيادية والصامتين
لم يعد الصمت خيارًا، لم يعد الصراع بين طوائف بل بين مشروع دولة ومشروع دويلات، بين شعب مسحوق وطبقة فاسدة محمية بسلاح وحسابات طائفية، على القوى الوطنية والسيادية وكل مواطن حرّ أن يرفع الصوت مطالبا:
1- بوصاية الدولة على نفسها فقط، لا على بعضها البعض، ولا على طوائفها
2- بدولة مدنية لا طائفية، لا مكان فيها لمن يخضع للخارج أو يحتكر السلاح أو يستبيح المال العام
عدم السماح لأبواق بعض السياسيين بالخروج إلى الناس لتقويض أساسات الدولة عبر التهديد والوعيد وان السلاح غير الشرعي هو ضامن الاستقلال والسيادة.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه، يعني السقوط الكامل لدولة اسمها لبنان الطريق الوحيد إلى الإنقاذ يبدأ من الاعتراف بأن لبنان لن يُحكم لا من دمشق ولا من طهران، ولا من اي دولة ولا من مكاتب الزعماء الطائفيين، بل من مؤسسات وطنية خاضعة فقط لمصلحة اللبنانيين. لبنان لن يُبنى إلا من أبنائه، وبقوانينهم، وإرادتهم، لا بوصاياتهم، ولا بفساد طبقتهم السياسية المتآكلة القرار لكم، إما وطن أو زوال