
تساؤلات مشروعة
رغبـةً منّي في مقاربة موضوع شديد الحساسيّة، أرجو من المؤمنين بالله ومن غير المؤمنين على حدّ سواء أن يحيطوني بسعة صدر، وأن يعلّقوا أحكامهم قليلًا، وأن يشاركوا فقط في التفكير الهادئ، الخافت أو الجهري، بما سأعرضه هنا. إنّ كل إنسان يمتلك ذرّة من الفضول العلمي أو الفلسفي لا بدّ أن يكون قد تساءل يومًا، ما دُمنا نعيش على كوكبٍ يسمّى الأرض، وهذه الأرض جزءٌ من مجرّة، وهذه المجرّة جزءٌ من كونٍ شاسع فمن الطبيعي أن نتابع سلسلة الأسئلة إلى أن نصل إلى السؤال الأكبر: كيف جاء الكون إلى الوجود؟ منذ نحو قرن، ظهرت فرضيّة “الانفجار العظيم”، القائلة إنّ الكون وُلد من نقطة متناهية في الصغر انفجرت قبل نحو حوالي ثلاث عشرة مليار سنة، وفق حسابات فيزيائيّة ورياضيّة. وهنا، يقف العقل البشري، بعجزه الطبيعي، سائلاً، ما الذي انفجر أصلًا؟ وكيف تحوّلت نقطة لا تُرى إلى كونٍ يفوق الخيال؟ الجواب الأكثر قبولًا في العلم يقول: إنّ تلك النقطة الأوليّة هي التي تمدّدت وانفجرت. لكن السؤال الأعمق يُطلّ من وراء ذلك ماذا كان قبل الانفجار؟ ما الذي سبّبه؟ ومن أين جاءت تلك الطاقة الهائلة المختزنة في تلك النقطة؟ نحن هنا أمام مفهومي الزمان والمكان، وهما مفهومان لا يقومان إلّا بقيام الكون ذاته. فإذا كان الانفجار العظيم هو لحظة ولادة الزمن، فالسؤال عن “قبل” الانفجار سؤال خارج إطار اللغة التي نفهم بها الزمان. نحن نحاول أن نستخدم أدوات الوعي المحدود لنسأل عن مرحلة لم يكن فيها وعيٌ ولا زمانٌ ولا مكان. وبناءً على ذلك، لا يمكن لعقلنا المقيّد بالزمان أن يحكم على ما يسبق الزمان ذاته. فحين نقول “منذ 13 مليار سنة”، نحن نتكلّم بلغتنا، لا بلغة الوجود قبل الوجود.
إذن، إلى أين يقودنا هذا التأمّل؟
إذا كانت النقطة الأولى التي انفجرت لا تضمّ مكانًا بالمعنى الجغرافي، ولا زمنًا بالمعنى المتعارف، فإنّ مسبِّب الانفجار لا يمكن أن يكون جزءًا من النقطة نفسها، ولا خاضعًا لقوانين الزمن التي لم تكن قد وُلدت بعد. وبالتالي، لا بدّ من التفكير بطريقة مختلفة، التفكير بما يتجاوز السببية التقليدية التي تربّينا عليها الفكر البشري، الناقص بطبيعته، تشكّل على قاعدة راسخة، “كل موجود لا بدّ له من سبب سبقه.” غير أنّ هذه القاعدة تعمل داخل الزمن، داخل سلسلة من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل. أمّا المسبِّب الأوّل، إن وُجد، فلا يخضع لهذا الإطار، لأنّه خارج الزمن، خارج الامتداد، خارج اللحظة. وجوده بالنسبة إلينا يبدو “ماضيًا”، لكن بالنسبة لوعيه هو حضورٌ مطلق، زمانه ليس ماضيًا ولا مستقبلًا بل حضور مطلق ودائم.
ولأنّه خارج الزمن، ففعله الذي أدّى إلى الانفجار العظيم ليس فعلًا يقع في لحظة قبل أخرى، بل فعلٌ يتجلّى للبشر كحدثٍ ابتدائي، فيما هو في ذاته حضورٌ سرمدي.
يبقى السؤال ما هو هذا الفعل؟
لكي يحدث الانفجار، لا بدّ من طاقة هائلة احتُشدت في نقطة متناهية في الصغر. كيف وصلت تلك الطاقة إلى نقطة لا تملك خصائص المكان ولا قوانينه؟ يكفي أنّ “المسبّب” أودع فيها الطاقة، فكان الانفجار، فكان الكون، فكانت الحياة، لكن من هو هذا المسبّب؟ ولماذا فعل؟ وما الذي جعل الطاقة تنفجر؟ هذه أسئلة مشروعة، وأساسية، وواجبة البحث. غير أنّ غير المشروع هو أن نرفض التفكير، أو أن نغلق الأسئلة خوفًا أو تعصّبًا أو التزامًا بإجابات موروثة نحاول حمايتها بدل اختبارها. إنّ التفكير الحقيقي هو ذاك الذي يتحرّر من التبرير، من الأجوبة الجاهزة، من السلاسل المسبقة. فالحقيقة لا تُمنح لمن يبحث عمّا يؤكّد معتقده، بل لمن يبحث بصدق عمّا يُنضج وعيه، ما نحتاجه هو فكرٌ متوثّب، ينطلق نحو هدف صافٍ إيقاظ الوعي النائم فينا، ذلك الوعي الذي ينتظر من يستدعيه لا من يسكّنه، فلسفة تُطبَّق في الحياة، لا تُحفظ في الكتب، فلسفة تجعلنا نلامس جذور وجودنا، لا ظلاله