الابن الازلي

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

أول تعبير للعقل الإلهي والنور الإلهي

منذ البدايات الأولى للجماعات المسيحية، برزت إحدى أعقد المسائل اللاهوتية مسألة طبيعة السيّد المسيح، أهو ذو طبيعة واحدة أم طبيعتين؟ أهو إله فقط، أم إله وإنسان معًا في آنٍ واحد؟ وقد تعدّدت المفاهيم، فأتى مجمع خلقيدونية وأقر بشكل حاسم، أن السيّد المسيح إله كامل، وإنسان كامل بطبيعتين غير مختلطتين ولا منفصلتين متحدتين في أقنوم واحد. وعُرف بالعقيدة الخلقيدونية. التعريفات التي حاولت الإحاطة بهذه المسألة، كلٌّ بحسب مستوى الوعي الذي انطلق منه، أمّا أنا، كباحثٍ عن الحقيقة، فأحبّ أن أفكّر بصوتٍ عالٍ، مدركًا أنّ كثيرين قد يتّفقون أو يختلفون، غير أنّ البحث في جوهره لا يُبنى على الاتفاق بل على التجربة الداخلية.

إذا كنّا نعرف حدود الوعي الإنساني العام، فعلينا أن نفترض من باب النزاهة الفكرية أنّ مفهومنا للطبيعتين قد يكون ناقصًا أو غير مكتمل. فنحن، عبر فعل الإيمان، نعلن أننا نؤمن باله واحد، ونقول في الوقت ذاته وبرب ٍ واحد، والإله الواحد هو الآب ضابط الكل، غير أنّ إنجيل يوحنّا يذهب بنا إلى مستوى آخر من الإدراك حين يقول به كان كل شيىء، أي إنّ وجودنا نفسه بحسب يوحنّا قد كان من خلال الابن وبالابن، هنا يتبادر الى ذهننا سؤال جوهري، إذا كان الآب هو ضابط الكل، فهل هو في آنٍ معًا الآب المباشر للإنسان، بينما يقول يوحنا إنّ أبانا هو المسيح؟ هل في الأمر تناقض، أم ثمّة حقيقة غير مرئية تختبئ خلف الحروف؟ نحن نؤمن بإلهٍ واحد، ثم نصف الابن بقولنا إله من إله، نور من نور، فما معنى نور من نور في لغة الفلسفة؟ وما معنى مولود غير مخلوق؟ لفظة الولادة هنا ليست بيولوجية ولا زمنية، بل هي، في حال قورنت بقول المسيح، إن لم تولدوا من فوق، لن تدخلوا ملكوت السماوات، ولادة روحية، انبثاقًا داخليًا يربط العالَم العُلوي بالوعي البشري. فإذا قلنا إنّ الابن هو نور مولود من نور، فالمعنى الباطني يشير إلى شعاع يخرج من أصلٍ نورانيٍّ أزلي. ولكن هنا تظهر معضلة، إذا كان النور الآتي قد انفصل عن النور الأصلي ليكوّن نورين مستقلّين، فهذا يعني في المنطق أنّ النور الأول لم يعد واحدًا بالفعل، بل صار وجوده بالقوّة من خلال ازدواج الشعاعين. وهذا يقود بعض العقول إلى فرضية خطيرة نفي الوحدة الإلهية، ومن ثمّ نفي وجود الله ذاته بوصفه مطلقًا. وهذه تحديدًا النقطة التي يسيء فهمها كثيرٌ ممن يسمّون أنفسهم ملحدين، فهم ينفون وجود الله لأنّهم يبحثون عن وحدة مطلقة لا تقبل التجلّي. بينما الحقيقة الحقة تقول إنّ الله في جوهره، ليس وحدة جامدة، بل ثلاثيّة حيّة تتحقّق أولًا عبر الانبثاق الأزلي للابن، لا بوصفه كائنًا منفصلاً، بل باعتباره أول تعبير للعقل الإلهي والنور الإلهي، فمن يتعامل مع الابن الأزلي، إنما يتعامل بحسب الكشف الروحي مع أوّل تجلٍّ لله، مع الصورة النورانية التي بها وُجد الخلق ومن خلالها يمكن للإنسان معاينة المطلق عن بُعد دون أن يحترق بنوره. ومن هنا، فإنّ الحديث عن الابن الأزلي يجب ألا يُختزل في الإطار الديني التقليدي، بل ينبغي أن يُفهم في أفقٍ أوسع، أفق الخلق بالمطلق، حيث يصبح الابن هو لغة الله الأولى، وفكرته الأولى، ونوره الأول، والمرآة التي بها يرى الإنسان الأصل الإلهي دون الذوبان فيه.

ونسأل من هو؟ وكيف لنا أن نفهم هندسة وخلق الكون إذا لم ندرك جيدًا معنى ومفهوم الآية في الرسالة الى كولوسي بكر كل خليقة، هذا يدل على أنّ وجوده كان قبل خلق الكون، وإلا لما كان بكر كل خليقة. لكن ما معنى كونه البكر إذا لم يكن له اليد الطولى في خلق ما لحقه؟ فآية يوحنا تقول: به كان كل شيء، ومن دونه لم يكن شيء مما كان. في وعي بكر الخلائق وجد كل شيء بالقوة، وما الخلق سوى وسيلة لتجسيد ما في وعي البكر وتحويله من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل، وعندما يقال: “صنعنا الإنسان على صورتنا”، علينا أن نفهم أنّ الصانع المادي يختلف عن خالق الخلق، وربما الصنّاع هم من تولوا التجسيد المادي للبذرة الأولى، وتحويلها من بذرة إلى شجرة، فالأرض التي احتضنت البذرة لها فضل، لكن أساسها هو البذرة. وإذا جاز القول، فإن الصنّاع أو المهندسين الصغار هم الأداة التنفيذية للمخطط الإلهي. صورة الله غير المنظور، أية تستحق منا الوقوف مليًا. الفكر الإنساني يتساءل، كيف لكائن غير منظور أن يكون له صورة؟ لكن الصورة ليست مادية، بل هي انعكاس لفكرة، انعكاس لمصدر الفكرة، أي تجسيد لمفهوم العقل الإلهي من خلال بكر الخلائق. هذا البكر هو العقل الإلهي الذي يجسد الكلمة، والصادر عن الكمال المطلق، لذا يحمل الكمالية الإلهية في ذاته. ومن هنا نفهم أنّ الكلمة كانت موجودة منذ البدء، لأنها بكر الخليقة، وكانت عند الله، والعقل الإلهي والكلمة واحد أحد، به كان كل شيء، أي أنّ كل الخلق تم من خلاله، مع استثناء ما كان قبل البدء، أي الله كعلة العلل. وإذا كان الله هو الإله، والكلمة إله، فإنهما إله واحد، متجانسان إلى أقصى حد، كما يذوب الملح في الماء ليصبح مكونًا واحدًا. وبالمثل، الإنسان وعقله واحد، والله وكلمته واحد. به كانت الحياة، الحياة هنا ليست مجرد طاقة، فالكلمة ليست طاقة مادية، بل الحياة هي الوجود ذاته، ومن دونه لا وجود. وما يسمّيه العلم انفجارًا كونيًا، هو البذرة الإلهية اللامتناهية في صغرها، تلقت تلقيحًا من النور، لينبثق الكون العظيم. فالكون هو الجسد المادي للبذرة الإلهية، وكل ما هو موجود فيه جزء من البعد المادي للكلمة، وهذه هي الأخوة الكونية العظمى، التي تشاركنا بها وجودنا مادياً وروحياً، فلكل منا ذات المصدر