
لا تدع كتابًا أيًّا كان عنوانه أو مكانته أو حتى قداسته أن يستولي على وعيك أو يفرض على روحك حدودًا ضيّقة. فالكتاب، مهما علا شأنه، يبقى أثرًا من آثار العقل البشري أو تجلّيًا من تجليات الوحي الموجَّه إلى الإنسان. أمّا أنت، فوجودك نفسه كتابٌ إلهيّ مكتوب بحبر الكون، صاغته يد القدرة في هيئة عقلٍ قادر على الفهم، وقلبٍ قادر على التذوّق، وروحٍ قادرة على الارتقاء، فالكتب، كلّ الكتب، بما فيها المقدّسة، لم تنزل لتكون سجناً تُحبس فيه الروح، بل سلّمًا تصعد عليه. لم تُخلق لتأسر الفكر، بل لتوقظه. وهي لا تطلب منك أن تذوب فيها، بل أن تستخدمها كمرايا تتعرّف بها على نفسك، لا جدران تحجب عنك نورك الداخلي. العقل الذي فيك ليس أقلّ قداسة من العقل الذي كتب الكتب، والروح التي فيك ليست أقلّ إشراقًا من الروح التي ألهمت الأنبياء والحكماء. لذلك، لا تضع كتابًا بينك وبين الحقيقة وتقول: هذا يكفيني. الحقيقة لا تُختصر، ولا تُحاصَر في صفحات، ولا تُختزل في أوامر ونواهٍ. الحقيقة هي سريانٌ مستمرّ، وتجليّ يتبدّل مع نضج الوعي واتّساع القلب.
الحرف حين يُتّخذ صنمًا يقتل، يقتل السؤال، ويقتل البراءة، ويقتل دهشة المعرفة، الحرف يُميت حين يصبح جدارًا، أما الروح فهي التي تُحيي، تُحيي الفهم إذا تجلّت، وتُحيي القلب إذا لامسته، وتُحيي العقل إذا أضاءته، الحرف يحدّ، لكن الروح تتسع، الحرف يفصل، أما الروح فتجمع، ولذلك، يبقى الإنسان في باطنيه كتابًا متجدّدًا، صفحاتُه تُقلَب حين ينضج، وتُعاد كتابتها حين يتوسع وعيه. والكتاب الإلهي الحقيقي ليس في يدك، بل في داخلك، في نور بصيرتك، في صوتك الداخلي، وفي شوقك نحو ما يتجاوز الكلمات كلّها.