
… الإنسان كونًا صغيرًا يدرك ذاته في الله.
أودّ التكلم، لا من موقع الواعظ ولا من موقع العالم، بل من موقع الإنسان الذي يحاول أن التفكير بصمتٍ أمام سرّ الوجود، أتمنى على المؤمنين بالله، كما على غير المؤمنين، أن يُمهلوا أنفسهم قليلًا قبل إصدار أي حكم، وأن يحاولوا التفكير لا بعقولهم وحدها، بل بكلّ كيانهم فالعقل أداة للقياس، لكن الروح هي التي ترى ما وراء القياس، كل إنسان يحمل في داخله شرارة من الفضول، تلك الشرارة التي تميّز الإنسان عن سائر الكائنات. ومن هذه الشرارة يبدأ السؤال القديم الجديد. إذا كنّا نعيش على كوكبٍ يدور في فضاءٍ لانهائي، ضمن مجرّةٍ هي بدورها نقطة في بحرٍ من المجرّات، أفلا يحقّ لنا أن نسأل كيف بدأ هذا الوجود؟ وكيف خرج العدم من العدم ليصير كونًا؟ يقول العلماء إنّ كل شيء بدأ بانفجارٍ عظيم، قبل ثلاثة عشر مليار سنة، من نقطةٍ متناهية في الصغر لكن هنا يبدأ العقل الباطني سؤاله المختلف، ما الذي كان في تلك النقطة قبل أن تنفجر؟ ومن الذي أودع فيها تلك الطاقة التي فجّرتها؟ وما هو هذا “القبل” الذي نسأل عنه إن لم يكن الزمن نفسه قد بدأ بعد؟ في نظر الفلسفة الروحية، هذا السؤال يحمل في طيّاته خطأً مزدوجًا فنحن نسأل عن “الزمن” بما هو موجود في وعينا، لا بما هو في ذاته والزمن، كما تعلّمنا الأسرار القديمة، ليس نهرًا خارجنا، بل حركة الوعي داخل نفسه، ما نسمّيه قبل وبعد ليس سوى تدرّجات في وعي الكائن الذي يعيش ضمن الناموس الزمني، بينما الحقيقة العليا هي فيما يتجاوز الزمان والمكان، أي في المطلق الذي منه خرج كلّ نسق وكلّ قانون. ذلك المبدأ الأول مسبٍب الانفجار الكوني، لا يمكن إخضاعه لمقاييس الزمان أو المكان، لأنه هو منبعهما ومبدؤهما، هو ليس شيئًا فيزيائيًا يمكن تحديده، بل هو وعيٌ خالص، حضورٌ لا يتبدّد، الحضور المطلق الذي لا يعرف ماضيًا ولا مستقبلًا إنه العقل الكلي الذي فكّر في ذاته، فانبثق منه الكون كتجلي من تجليات وعيه. هكذا، لم يكن الانفجار العظيم مجرّد حدثٍ مادي، بل كان لحظة إدراكٍ كوني، لحظة قال فيها المطلق، ليكن وعي، فكان الكونُ جزءًا ماديا او جسما ماديا لعقل كلي. وهنا نبدأ بإدراك ما نسميه الطاقة الأولى ليس سوى أنفاس الروح الكونية وقد تخلّقت في صورةِ موجةٍ مادية، إنها الإرادة الأولى وقد لبست الاهتزاز، فاهتزّ بها الفراغ ليصير وجودًا، وما نسميه الخلق لم يكن صنعًا خارجًا عن الله، بل تجلّيه في مرايا الكثرة، فالكون كلّه ليس سوى وعيٍ آخذٍ في التمدّد، تمامًا كما يتمدّد الإنسان في وعيه حين يدرك ذاته. وهنا يظهر السؤال الذي هو جوهر كلّ بحثٍ روحي، إذا كان المسبب الأول هو الوعي المطلق، فما علاقتنا نحن به؟ هل نحن مجرّد نتاجٍ مادي ضمن نظامه، أم أننا ذرات من وعيه تبحث عن العودة إلى أصلها؟ الإنسان ليس كائنًا عارضًا في هذا المسرح الكوني، بل هو المرحلة التي بدأ فيها الكون يدرك نفسه. الروح البشرية ليست مخلوقة من لا شيء، بل هي شعلة من نار الوعي الإلهي، تدرََكت نحو أعماق المادة لتعي من خلالها معنى الانفصال والعودة، إنّ الإنسان هو الكون وقد انحنى على ذاته ليرى نفسه في المرآة. وهكذا، يصبح السؤال عن بداية الكون مرآةً لسؤالٍ أعمق، متى بدأ الوعي فينا؟ لأنّ كل ما نراه في الخارج ليس إلا انعكاسًا لما يجري في الداخل، الانفجار العظيم حدث في السماء، نعم، لكنه أيضًا يحدث في كلّ إنسان حين ينفجر وعيه على ذاته، وحين يخرج من ظلمة الجهل إلى نور الإدراك فكما خرج الكون من نقطةٍ صغيرة، كذلك يولد الوعي من لحظة صغيرة من الصدق مع النفس وكما اتسع الفضاء، يتسع القلب حين يتصل بالمصدر الأول، بالوعي المطلق الذي لا بداية له ولا نهاية. إنّ سرّ الخلق لم يكن في الانفجار ذاته، بل في النية الأولى التي أرادت أن تُعرف، أن تُرى، أن تتجلّى وهذه النية هي المحبة فالمحبة هي أصل الانفجار الكوني، والطاقة التي تحرّك المجرّات كما تحرّك القلوب. فلنفكّر إذًا، لا لنجد أجوبةً سريعة، بل لنوقظ الوعي الكامن فينا. ولننظر إلى الكون لا كآلةٍ عمياء، بل ككائنٍ حيّ ينبض بالفكر والروح. ولنعِ أن السؤال عن المبدأ هو في جوهره سؤال عن أنفسنا، لأنّنا نحن أيضًا نقاط وعي تبحث عن انبثاقها العظيم، عن لحظة الانفجار الداخلي التي يصبح فيها الإنسان كونًا صغيرًا يدرك ذاته في الله.