التدرج السلبي

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

كتب رئيس حزب حراس الأرز بياناً بعنوان التدرّج السلبي، وقصده عن تدرك الخطاب الرسمي في مفهوم نزع السلاح من كافة الميليشيات الموجودة على الأراضي اللبنانية. ينطلق البيان من تعريف كلاسيكي وحاسم لمفهوم السيادة، بوصفها سلطة الدولة الحصرية والمطلقة على أرضها وشعبها وقرارها الأمني والعسكري. ووفق هذا التعريف، لا تكون السيادة قابلة للتجزئة أو التدرّج أو الشراكة، بل هي حالة قانونية وسياسية مكتملة أو غير موجودة. وعليه، فإن أي وجود منظّم للسلاح خارج المؤسسات الشرعية لا يشكّل خللاً في السيادة فحسب، بل ينسفها من أساسها. فالبيان لا يتعامل مع مسألة السلاح غير الشرعي كإشكالية أمنية تقنية أو كملف خلافي داخلي، بل يضعها في إطارها الصحيح، مسألة وجود الدولة نفسها. فالدولة التي لا تحتكر السلاح، يصبح العنف مشروعاً يومياً، وتتحول الدولة حكماً إلى كيان إداري فاقد للسيادة، مهما احتفظت بمظاهرها الدستورية. يحلّل البيان ما يسميه التدرّج السلبي في خطاب السلطة، ويعتبره مساراً سياسياً واعياً لا ارتباكاً ظرفياً. هذا التدرّج الهابط، من التعهّد بنزع السلاح، إلى حصره نظرياً بيد الدولة، وصولاً إلى مفهوم احتواء السلاح، يُقرأ كعملية إفراغ تدريجية لمفهوم السيادة من مضمونه. فالانتقال من منطق نزع السلاح إلى منطق احتوائه يعني، سياسياً ودستورياً، اعترافاً ضمنياً بشرعية الأمر الواقع المفروض بقوة السلاح، أي الاعتراف بوجود قوة عسكرية موازية للدولة، لا تخضع لقرارها ولا لعقيدتها الدفاعية ولا لمصالحها الوطنية العليا. هنا، تتحول الدولة من صاحب سيادة إلى مدير توازنات مع ميليشيا، وهو جوهر ما يسميه البيان منطق الدويلة.

كما ويركّز البيان بدقة على خطورة مفهوم احتواء السلاح، معتبراً إياه أخطر من التعايش معه. فالاحتواء لا يعني فقط العجز عن نزع السلاح، بل دمجه سياسياً وأمنياً في معادلة الحكم، بما يؤدي إلى شرعنته عملياً، ولو من دون نص قانوني صريح، من زاوية سيادية، يشكل هذا الطرح انقلاباً كاملاً على مبدأ الدولة الوطنية. إذ لا يمكن الحديث عن سيادة مطلقة في ظل وجود سلاح خارج التسلسل القيادي الشرعي، ومرتبطاً بمحور خارجي ممتلكاً لقرار الحرب والسلم بمعزل عن المؤسسات الدستورية. بذلك، يصبح القرار الوطني مرتهناً لقوة السلاح، وتنتقل السيادة من كونها حقاً عاماً إلى شراكة قسرية مفروضة على الدولة. يواجه البيان بوضوح تام الذرائع التقليدية التي تُستخدم لتبرير الإحجام عن نزع السلاح، وعلى رأسها التخويف من انقسام الجيش أو اندلاع حرب أهلية. ويقدّم قراءة سياسية تعتبر هذه الذرائع أدوات تعطيل سيادي تُستخدم لتبرير عدم اتخاذ القرار. الأهمية هنا ليست في الجزم بقدرة الدولة العسكرية فقط، بل في التشديد على عنصر الإرادة السياسية. فالخلاصة التي ينقلها البيان عن الخبراء العسكريين، أن الدولة قادرة ولكنها غير راغبة تنقل النقاش من حقل الأمن إلى حقل المسؤولية السياسية، وتضع الحكم مباشرة في موقع المساءلة الوطنية. يقدّم البيان طرحاً حاداً لكنه متماسكاً فلا إمكانية للتوفيق بين الدولة والسلاح غير الشرعي. فإما دولة كاملة السيادة، أو كيان منقوص خاضع لميزان قوة مفروض. ومن هنا تأتي اللغة القطعية في الخلاصات. لا دولة مع سلاح خارج الشرعية، ولا سيادة مع ميليشيا محتواة، ولا خلاص مع قرار وطني مرتهن للسلاح. هذه الخلاصات ليست شعارات، بل تعبير عن منطق سياسي يعتبر أن أي تسوية لا تنتهي بنزع السلاح هي تسوية على حساب الكيان اللبناني نفسه، وتكريس لوصاية جديدة بأدوات محلية. بيان القائد أبو أرز، يطرح رؤية سيادية صارمة، ترى في نزع السلاح غير الشرعي شرط الوجود الوحيد للدولة اللبنانية، لا بنداً تفاوضياً ولا أولوية مؤجّلة. وهو بذلك يعيد تعريف الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة سيادة قبل أن تكون أزمة اقتصاد أو نظام أو فساد. في هذا الإطار، لا يُدان احتواء السلاح كخيار فاشل فحسب، بل كخيار مناقض لفكرة لبنان كدولة، ومُفضٍ حتماً إلى تفكيك ما تبقّى من مشروعها الوطني.