التفاوض المباشر بين الترحيب والحذر.

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

كتب القائد أبو أرز،

التفاوض المباشر بين الترحيب والحذر.

نحن هنا في محاولة لفهم وإدراك المغزى لكتابته هذا العنوان لبيانه الصادر في 13 كانون الأول والذي يحمل في طيّاته بعداً وطنياً مسؤولاً، فقال: رحّب اللبنانيون بتعيين السفير السابق سيمون كرم رئيساً للجنة اللبنانية المكلّفة بالتفاوض مع إسرائيل ضمن إطار ما يُعرف بـالميكانزيم، غير أنّ هذا الترحيب جاء مشوباً بقدرٍ واضح من الخشية والحذر لما يحمل في طيّاته من مفاعيل سياسية مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. وذلك نظراً لما قد يحمله هذا المسار من مفاعيل سياسية عميقة قد تشكّل محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، وللإنصاف، لا يمكن مقاربة هذا القرار من زاوية واحدة، إذ انّه ينطوي على إيجابيات لا يجوز تجاهلها، في مقابل سلبيات محتملة قد تعيد البلاد إلى دوّامة أخطاء سياسية سابقة دفع اللبنانيون أثمانها باهظاً. بين هذين الحدّين، تبرز الحاجة إلى قراءة عقلانية لا تنساق خلف التفاؤل المفرط ولا تستسلم للتشاؤم المسبق. في هذا السياق، يشكّل الطرح الدائم لرئيس حزب حرّاس الأرز لمسألة التفاوض المباشر، محطة فكرية وسياسية لافتة في ظل واقع إقليمي ودولي بالغ التعقيد. المقاربة التي يقدّمها، والقائمة على الجمع بين الترحيب المبدئي والحذر، -الحذر هنا تكتيكي داخلي واستراتيجي خارجي-، إذ تعكس مقاربته فهماً عميقاً لطبيعة التفاوض كأداة سياسية غير محايدة، تخضع لتوازنات القوة، واعتبارات التاريخ، ومحددات السيادة الوطنية، ويتقاطع هذا الطرح مع خطوة تعيين شخصية دبلوماسية وسياسية مخضرمة كالسفير السابق سيمون كرم، بما تحمله من دلالات على اعتماد نهج أكثر احترافاً ومأسسة في إدارة ملف بالغ الحساسية. فخبرة كرم المتراكمة تضيف بعداً سياسياً ومؤسساتياً ضرورياً لمسار تفاوضي يتطلّب أقصى درجات الاتزان، والوعي، والقدرة على حماية الثوابت الوطنية في لحظة سياسية دقيقة يمر بها لبنان والمنطقة                                                                                                                              

أولاً: التفاوض المباشر كخيار سياسي

من منظور واقعي، يُعرَّف التفاوض المباشر بأنه آلية تواصل رسمية بين أطراف متنازعة أو مختلفة المصالح، تهدف إلى إدارة الخلاف أو حله دون وسطاء. ويُنظر إلى هذا النوع من التفاوض بوصفه سيفاً ذا حدّين، فمن جهة، يتيح وضوح المواقف، ويقلل من تشويه الرسائل، ويمنح الأطراف قدرة أكبر على اختبار النوايا الحقيقية. كما أنه قد يعرّض الطرف الأضعف سياسياً أو تفاوضياً لمخاطر الاستدراج أو فرض الأمر الواقع، لا سيما في ظل اختلال موازين القوى. في هذا الإطار، تأتي مقاربة القائد أبو أرز متّزنة إذ لا ترفض التفاوض بوصفه مبدأ، لكنها ترفض التفاوض إذا لم يكن جدياً كون تجربة العام 1982 لا تزال ماثلة أمامنا، وجرحاً مفتوحاً لم يندمل بعد مفاوضات طويلة انتهت باتفاق مبدئي، تم الانقلاب عليه في اللحظة الأخيرة، فدفع لبنان ثمناً رهيباً من دمه واستقراره وسيادته وما زال يدفع حتى اليوم.                                                   

ثانياً: بين الترحيب والحذر منطق الواقعية السياسية

يعكس الجمع بين الترحيب والحذر انتماءً واضحاً إلى مدرسة الواقعية السياسية، التي ترى أن السياسة الدولية تُدار وفق المصالح لا النوايا، ووفق موازين القوة لا الخطابات الأخلاقية فقط. فالترحيب بالتفاوض المباشر يُفهم هنا كإقرار بأهمية الحوار في تخفيف التوتر وفتح نوافذ للحلول، بينما ينبع الحذر من أن تكون الخطوة محاولة للالتفاف على جوهر القضية أي للتهرب من نزع سلاح حزب الله وهذا هو الحذر الواضح، بينما من يعرف حرّاس الأرز تمام المعرفة  يعلم  بأننا على دراية بأن كثيراً من مسارات التفاوض في المنطقة لم تكن بريئة من الضغوط أو محاولات الإملاء، هذا الحذر المبطن لدى أبو أرز لا يُقرأ كتعطيل، بل كشرط منهجي لضمان وضوح الأجندات التفاوضية، لذلك قال: كيف نثق بمنظومة خيّبت آمال شعبها مرارًا وتكراراً؟       

ثالثاً: تعيين السفير سيمون كرم قيمة الخبرة السياسية

يُعد تعيين السفير السابق سيمون كرم خطوة بالغة الدلالة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل على مستوى المنهج السياسي المعتمد فالشخصيات المخضرمة كالسفير كرم تمتلك ميزات تفاوضية أساسية، من أبرزها، فهم عميق لبنية النظام الدولي وآليات عمله، خبرة عملية في قراءة ما بين السطور، واستشراف مآلات الطروحات التفاوضية وقدرة على الموازنة بين الصلابة المبدئية والمرونة التكتيكية. إن إسناد دور محوري في مرحلة تفاوضية حساسة إلى شخصية من هذا الوزن يعكس توجهاً نحو مأسسة القرار السياسي، والابتعاد عن الارتجال أو الشعبوية في إدارة الملفات السيادية، لذلك نحن نعّول على حنكته ومصداقيته في هذه المرحلة الدقيقة. من زاوية دراسات النزاع وحلّ النزاعات فإن أي تفاوض ناجح يتطلب توافر ثلاثة شروط أساسية، فريق تفاوض محترف، إطار مرجعي واضح يستند الى القانون الدولي والشرعية السياسية، وتكافؤ تفاوضي نسبي. من هنا يمكن القول إن الجمع بين طرح القائد أبو أرز الفكري، وتعيين السفير سيمون كرم، يلبّي إلى حدّ ما هذه الشروط، أو يسير في اتجاه تحقيقها.                                                                     

إن التفاوض المباشر، كما يطرحه القائد أبو أرز، ليس تنازلاً ولا مغامرة، بل خياراً سياسياً مشروطاً بالعقلانية والحذر. وهو خيار لا ينجح إلا إذا اقترن بخبرة سياسية عميقة، ورؤية سيادية واضحة، وفهم دقيق لتعقيدات المرحلة. من هنا، تبدو خطوة الاستعانة بشخصية مخضرمة كالسفير سيمون كرم خطوة ممتازة، تعزّز فرص تحويل التفاوض من مخاطرة محتملة إلى أداة مدروسة لخدمة المصلحة الوطنية العليا.