الجهل السياسي ومأزق المقاربة

pic for akhbar albalad

الجهل السياسي ليس فراغًا في المعلومات، بل خلل في الرؤية والعمل، وفي القدرة على قراءة الواقع بوعي. فلسفيًا، الجهل لا يعني مجرد غياب المعرفة، بل قد يكون وهمًا بالمعرفة أو رفضًا للحقيقة. وهذا أخطر أشكاله، لأن صاحبه يظن أنه يدرك بينما هو غارق في الوهم. في لبنان، هذه العلة ليست عرضًا بل أساسًا من أسس أزمتنا. ساسة يظنون أنفسهم أصحاب حكمة ومعرفة، فيما هم أسرى جهل مركّب، يتعمدون تجاهل الحقائق لأنّها تهدد مصالحهم. هنا يصبح الجهل خيارًا وإرادة، لا مجرد قصور عرضي، السياسة ليست امتحانًا للنوايا بل فنّ ترتيب الوسائل ضمن حدود الممكن، وبصيرةٍ توازن بين الأخلاق والفاعلية. وحين نبحث في ماهية الجهل السياسي نكتشف ثلاثة مستويات متداخلة.

الجهل المعرفي

هو الجهل المرتبط بالمعلومة ذاتها نقص في البيانات، أو الاعتماد على مصادر مضللة، أو التسليم بأحكام مسبقة غير مدقّقة. في لبنان، يتجلى هذا الجهل في الخطاب السياسي الذي يُروّج أرقامًا بلا أساس، أو شعارات بلا مضمون، أو تفسيرات انتقائية للتاريخ والدستور. كثير من الساسة والجماهير يخلطون بين الرأي والمعرفة الرأي قابل للتعدد والاختلاف، أما المعرفة فتستند إلى الدليل والبرهان. حين يغيب هذا التمييز، يصبح النقاش العام مجرد سجال عقيم، وتُتخذ القرارات الكبرى على أساس الانفعال لا على أساس الوقائع. الجهل المعرفي يفتح الباب أمام ثقافة الإشاعة، حيث الكلمة المتداولة تُعامل كحقيقة مطلقة، ويغدو الإعلام أداة تضليل بدل أن يكون وسيلة تنوير.

الجهل الإجرائي

هو الجهل بكيفية عمل المؤسسات وآليات التنفيذ وصنع القرار. في لبنان، نرى وزراء ونوابًا يجهلون أبسط القواعد الدستورية أو القوانين التي أقسموا على احترامها، ويُقحمون أنفسهم في سياسات عامة دون فهم لمقتضياتها التقنية. هذا الجهل يتجلى في العجز في إعداد مشاريع قوانين قابلة للتطبيق وتغييب مبدأ المحاسبة عبر سوء فهم الصلاحيات أو خلط السلطات. الفشل في إدارة المؤسسات العامة بسبب التعامل معها كحصص طائفية أو مراكز نفوذ الجهل الإجرائي يعني أن القرار السياسي يُصاغ بآليات مرتجلة، وأن الدولة تتحرك بلا جهاز تنفيذي فعّال. هنا تضيع الفكرة حتى لو كانت عادلة، لأن الوسائل معطّلة وغير صالحة لحملها.

الجهل المعياري

هو الأخطر، لأنه يتصل بخلط الأولويات وتشويه منظومة القيم. إنه تبرير الوسائل السلبية باسم الغاية، أو تقديس أدوات عقيمة واعتبارها مقدسة. في لبنان، ينعكس هذا في تحويل الولاء الطائفي إلى قيمة عليا تتقدم على الولاء للوطن، تبرير العنف أو الفساد أو تعطيل المؤسسات بحجة حماية الجماعة إضفاء طابع أخلاقي أو ديني على وسائل سياسية لا أخلاقية. الجهل المعياري يجعل الوسيلة تتحول إلى غاية بحد ذاتها. حين تُعتبر الطائفية مثلاً قدَرًا لا يمكن تجاوزه، أو يُعطى السلاح شرعية مطلقة خارج إطار الدولة، نكون أمام تعطيل كامل للعقل النقدي ولإمكانية الإصلاح. هذا النوع من الجهل هو الذي يشرعن استمرار الأزمات ويجعل التغيير مستحيلًا، هذا الجهل يترجم نفسه في سلوكيات مألوفة، شخصنة الصراعات، تغليب الانفعال على الحساب، استبدال الشعار بالخطة، والخلط بين الضجيج والتأثير. في لبنان، نرى أحزابًا تفترض أن عدالة القضية تبرر أي تكتيك، غير مدركة أن الوسيلة تعيد تشكيل الغاية، فوسيلة غير مشروعة تُفقد الشرعية الأخلاقية، ووسيلة غير قابلة للاستدامة تُحوّل المكاسب إلى هزائم لاحقة، ووسيلة غير فعّالة تُهدر الطاقات وتجرّد الفكرة من جاذبيتها.

السياسة في جوهرها شبكة مصالح وأوزان متشابكة، وليست مسرح بطولة فردية. الفاعل الحقيقي هو من يحسن قراءة مواضع الضغط الممكنة داخل الشبكة، مدركًا أن القوة مركّبة قانون ودستور، رأي عام، موارد، شرعية، تحالفات، معلومات، وتوقيت. ومن يتجاهل بعدًا واحدًا يخطئ قياس المجموع. كذلك، لا تعيش الأفكار خارج مؤسسات حاضنة، ومن يواجه المؤسسات بمنطق “الكل أو لا شيء” يخسر الفكرة والمؤسسات معًا. وفوق ذلك، زمن السياسة طويل، والانتصارات الخاطفة سرعان ما تتحول إلى أثمان باهظة، بينما الحكمة تقتضي موازنة المردود العاجل بالمكاسب التراكمية. في هذا السياق، تتغذى بعض القوى على الغرائز الجماهيرية، وتظن أن كثافة المتابعين على الشاشات ووسائل التواصل تعادل قوتها في صناديق الاقتراع، بينما الواقع السياسي يفضح هذا الوهم. الجهل السياسي يظهر هنا في تغييب النقد والتوازن، وفي جمع المؤيدين على حساب المصلحة العامة. إنها مغالطة أخلاقية بامتياز ليس لأنك على صواب ستنتصر، فالصواب شرط للشرعية، لكنه ليس ضمانة للنتيجة حتى تخرج الحياة السياسية من أسر الجهل، لا بد من اعتماد إطار عملي لاختيار الوسائل، يقوم على أربع اختبارات.

الشرعية، توافق الوسيلة مع القانون والحق العام

أي وسيلة سياسية لا تستمد قوتها فقط من فعاليتها التقنية، بل من مدى انسجامها مع القانون وروح العقد الاجتماعي. الشرعية هي التي تمنح الفعل السياسي قاعدة أخلاقية ومجتمعية صلبة. في لبنان، يغيب هذا المبدأ أحيانًا حين تُستخدم وسائل غير دستورية (كالتعطيل المتكرر للمجلس النيابي، أو تجاوز صلاحيات المؤسسات) بحجة تحقيق أهداف وطنية أو طائفية. هذه الوسائل قد تحقق مكاسب ظرفية لكنها تُضعف النظام وتفقد الثقة العامة. الشرعية ليست “ترفًا قانونيًا”، بل شرط لبقاء أي فكرة في الوعي الجماعي واستمرارها.

الفاعلية، وضوح مؤشرات النجاح وبدائل الفشل

الفاعلية تقاس بمدى قابلية الوسيلة لتحقيق الغاية. لا يكفي أن تكون الوسيلة شرعية إذا كانت عاجزة عن الإنجاز. في السياسة اللبنانية، نرى كثيرًا من المبادرات التي تبدأ بحماس لكنها تنطفئ بسبب غياب مؤشرات واضحة للنجاح أو خطة بديلة عند التعثر. مثلًا إطلاق خطط إنقاذ اقتصادي دون رؤية تنفيذية أو تقدير للموارد المطلوبة. الفاعلية تعني وجود معايير دقيقة لقياس التقدم، وآليات لتصحيح المسار بدل الانتظار حتى الانهيار الكامل.

الملاءمة، انسجام الوسيلة مع ميزان القوى والتوقيت والموارد

حتى الوسائل الشرعية والفاعلة قد تفشل إذا جاءت خارج سياقها. الملاءمة هي القدرة على قراءة اللحظة السياسية ميزان القوى الداخلي والخارجي، الموارد المتاحة، وحساسية التوقيت. في لبنان، كثيرًا ما يتم تبني شعارات كبرى كإصلاح شامل أو تغيير جذري في لحظات لا يملك أصحابها ما يكفي من أدوات أو تحالفات، فيتحول الهدف إلى عبء على أصحابه. الملاءمة تعني فنّ اختيار المعركة المناسبة في الزمن المناسب، لا الاستنزاف في معارك خاسرة أو متسرعة.

القابلية للعكس والتعلّم، القدرة على التراجع بلا تكلفة كارثية

السياسة ليست مسارًا خطيًا فالأخطاء واردة، لكن الفرق بين الفعل الواعي والفعل الأحمق هو القدرة على التراجع وتصحيح الخطأ دون دفع أثمان مدمّرة. في لبنان، نرى عكس ذلك، قرارات تُتخذ، وحين تفشل، يُصرّ أصحابها على التمسك بها خوفًا من الاعتراف بالخطأ. مثال ذلك السياسات المالية التي استُكمل تنفيذها رغم وضوح مؤشرات الانهيار. القابلية للعكس والتعلّم تقتضي وجود آليات مراجعة داخل الأحزاب والحكومات، لا الاكتفاء بالإنكار أو تحميل المسؤولية للآخرين.

الجهل السياسي، في المحصلة، ليس نقيض المعرفة فقط بل نقيض الحكمة، أن تفعل بلا تقدير للكلفة، أو أن تختار الوسيلة الخاطئة للهدف الصحيح. وكلما سمت الغاية، اشتدّ الواجب في تحرّي الطريق الذي يليق بها. فالسياسة الرشيدة لا تحمي الفكرة العادلة بالخطاب، بل بالأدوات التي تحفظ معناها وتمنع انحرافها.

جوزاف س. أمين | أخبار البلد