الخير والشر

pic for akhbar albalad

الخير والشر مش بس مفاهيم منقراها بكتب الأخلاق أو منسمعها بخطب الدين. هني متل نهرين ماشيين حدّ بعض، أوقات بيتقاطعوا وأوقات بيتباعدوا، بس بالنهاية بيرجعوا بيفرغوا بنفس البحر، البحر اللي منسمّيه التجارب الإنسانية. الخير مش عاطول ملاك مجنح أبيض، ولا الشر شيطان قرونو طويلة. الحقيقة إنو الخير والشر ساكنين بقلب الإنسان، متل بذرتين . إذا سقيت البذرة الأولى بمحبّة، ووعي، وصدق، بتكبر شجرة خير، بتعطي ثمر، بتضلّل، وبتطعمي غيرها. بس إذا تركت البذرة التانية بلا مراقبة، بتصير شجرة شوك، جذورها بتخنق الأرض وبتجرح اللي بيقرب عليها.

الخير متل مي النبع صافي، بيمشي بخط طبيعي، ما بيفرض حالو. الشر متل طوفان بيجي فجأة، بيكسر، بيمحي ملامح الطريق. بس الغريب إنو الطوفان، مع كل خرابو، بيرجع بيسقي الأرض وبيرجع بيخليها تعطي حياة جديدة. كأنو الشر مشوّه، بس إلو دور يوعينا ويخلينا نشوف ضعفنا وحدودنا.

في ناس بيشوفو الشر عدو لازم ينمحي، وبيفتكروا إنو إذا قضو عليه رح يضل بس الخير. بس الحقيقة الرمزية أعمق بكتير الشر متل ظلّك، ما بيختفي إلا إذا انت محيت. وما دام في ضوّ، في ظل. والإنسان هو الكائن الوحيد اللي عندو حرية يقرر إذا بيخلي ظلو يبتلعو، أو بيتعلم يمشي بضو الشمس بلا ما يخاف منو. الخير والشر هن وجين لعملة وحدة اسمها فعل او ردة فعل، وما ننسى أبدا، انو الفعل ممكن يكون فكرة، قول او عمل، فلازم ننتبه كتير منيح وما نلوم ردات الفعل السلبية علينا لأنو منكون نحن مشاركين فيها بعلم منا او عن جهل. الخير من دون شر بيبقى ناقص، بيصير براءة طفولية ما بتعرف معنى الصراع. الشر من دون خير بيصير فراغ ما إلو معنى. والإنسان، إذا بيعرف يوازن بين الاثنين، بيصير متل الفلّاح اللي بيعرف إنو الشوك حوالين الوردة مش ليلعن الوردة، بل ليحميها.

وهون بيجي السؤال الرمزي: هل الخير والشر غايات بحد ذاتها؟ ولا هني أدوات؟ يمكن الخير هو الطريق اللي بيخلّينا نرتفع ونصير أقرب لجوهرنا، والشر هو الامتحان اللي بيخلّينا نثبت إنو عندنا هالقوّة. الخير هو الوجه، الشر هو المرآة. الخير هو اللحن، الشر هو الصمت بين النوتات. وإذا ما كان في صمت، اللحن بيبطل موسيقى.

بالنهاية، الخير والشر ما بينقاسوا بالكتب ولا بالمحاكم، بينقاسوا بلحظة الإنسان مع حالو: ساعة يختار إذا يمد إيد ليساعد أو ليسرق، إذا يحكي كلمة بتبني أو بتكسر، إذا يواجه عتمتو أو يهرب منّا. واللي بيخلّي الإنسان عظيم مش إنو معصوم من الشر، بل إنو قادر يوقف بوجهو ويحوّل حرقتو لنور.