فما الجدوى اليوم من الدعوة إلى الاحتفال بتحرير الشحار الغربي؟

في بلدٍ أنهكته الحروب والانقسامات، يكون استدعاء الماضي المؤلم مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقفاً سياسياً. ليس من الحكمة، ولا من الوفاء لآلام الناس، إحياء لغة الاصطفاف والاحتفال بعناوين عسكرية تعود إلى زمن الانقسام، فيما اللبنانيون اليوم يبحثون عن استقرارٍ يرمّم ما تبقى من وطن.
بعد مصالحة الجبل التي رعاها عام 2001 كلٌّ من السيد وليد جنبلاط والبطريرك مار نصر الله بطرس صفير، طُويت صفحة دامية من تاريخ منطقة الشحار والجبل. تلك المصالحة لم تكن حدثاً بروتوكولياً، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن الدم اللبناني لا يُقابَل إلا بالمغفرة والاعتراف، وأن العيش المشترك يتقدّم على ذاكرة البنادق، وكلنا نعلم ماذا كانت ردة فعل النظام الأمني اللبناني السوري.
فما الجدوى اليوم من الدعوة إلى الاحتفال بتحرير الشحار الغربي؟
وتحريره مِن مَن؟
أي رسالة تُوجَّه إلى الأمهات اللواتي
فقدن أبناءهن؟
أي معنى يُستعاد حين يعيد فتح جراح الماضي بمنطق الانتصار والهزيمة؟
إن تحويل محطات الاقتتال الداخلي إلى مناسبات احتفالية يهدد بإعادة إنتاج السرديات نفسها التي مزّقت النسيج الوطني خلال سنوات الحرب، يوم كان لبنان ساحةً لتقاطعات إقليمية، وامتدادات لصراعات أكبر من حدوده، من بينها مرحلة الوجود الفلسطيني بقيادة ياسر عرفات، مرحلة الاحتلال السوري ، الخ…
الحقيقة المُرّة أن كثيرين سقطوا لا في معارك دفاعاً عن دولة مكتملة السيادة، بل في سياق اصطفافاتٍ متشابكة، وتحت عناوين لم تُفضِ إلى بناء وطنٍ عادلٍ أو مؤسساتٍ قوية، يا صديقي، أكثر ما يؤلم أن اغلب شهداء لبنان سقطوا برصاص بعض اللبنانيين، من هنا، فإن الشجاعة السياسية اليوم لا تكمن في استحضار لغة التحرير، وأي تحرير، داخل الجغرافيا اللبنانية، الشجاعة الوطنية في الاعتذار العلني من الناس الذين قُتلوا، ومن عائلاتهم التي دفعت أثمان خيارات لم تُنتج وطناً أفضل.
الاعتذار ليس إدانة للذات بقدر ما هو ارتقاء أخلاقي. إنه إقرار بأن الدم اللبناني خط أحمر، وأن أي سلاح وُجّه إلى الداخل كان خطأً تاريخياً، مهما كانت الذرائع. والقول إن زمن الحرب انتهى يجب أن يتجسّد في خطابٍ يرفض الرموز العسكرية الداخلية، ويُعلي شأن الدولة فوق كل الولاءات الفئوية أو الحزبية.
لبنان اليوم لا يحتمل ترف النوستالجيا الحربية. أزمته وجودية، اقتصادية، مؤسساتُه مترهّلة، وشبابه يهاجرون بحثاً عن أفقٍ مفقود. فهل يُعقل أن تكون الأولوية لإحياء مناسباتٍ تُعيد فتح الجراح؟ أم أن الأولوية هي لترسيخ ثقافة المصالحة، وتحصين السلم الأهلي، وبناء سردية وطنية جامعة تُعلّم الأجيال أن الحرب بين الأطراف اللبنانية كانت مأساة لا بطولة؟
إن الدعوة إلى مدّ الأيدي ليست ضعفاً، بل إدراكٌ بأن الدول تُبنى بالتراكم الأخلاقي لا بالتفاخر بالانتصارات الداخلية. التعلم من أخطاء الماضي يعني الاعتراف بها، لا إعادة تدويرها في خطابات تعبئة. هذا النداء موجّه إلى كل من تلطخت يداه بالدم اللبناني، لأي سببٍ كان، كفى استثماراً في ذاكرة الانقسام، ولنجعل من المصالحة نهجاً دائماً لا محطة عابرة.
فالوطن الذي يستحق الحياة هو ذاك الذي يختار العدالة والاعتذار والمصارحة، لا ذاك الذي يحتفل بانتصاراتٍ على نفس