الطائف بين الدولة والمقاومة

pic for akhbar albalad

منذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، كثر الجدل حول ما إذا كان هذا الاتفاق قد أعطى مشروعية لاستمرار ما يُسمى بالمقاومة خارج إطار الدولة. البعض يستند إلى فقرة تتحدث عن اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتحرير الأرض اللبنانية المحتلة، ليعتبرها تفويضًا مفتوحًا للمقاومة المسلحة. غير أن القراءة الدقيقة لنصوص الطائف تكشف العكس تمامًا، الاتفاق لم يشرعن وجود سلاح خارج سلطة الدولة، بل وضع أساسًا واضحًا وحتميًا لاحتكار الدولة وحدها لحق الدفاع والأمن. ما جاء في البند “ب “من وثيقة الإصلاحات السياسية، ينص نص الطائف صراحة على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر. هذه العبارة قاطعة ولا تحتمل التأويل، فهي تلزم الجميع بلا استثناء، وتُسقط أي مشروعية عن أي تنظيم مسلح خارج الشرعية، كذلك يؤكد الطائف أن الدولة اللبنانية وحدها صاحبة الحق في بسط سلطتها على كامل أراضيها بواسطة قواها الشرعية. وهنا يظهر مبدأ دستوري أساسي، حصرية السلاح بيد الدولة. أما الفقرة المتعلقة بالأرض المحتلة التي يستند إليها البعض، فهي تلك التي تقول: تتخذ الحكومة اللبنانية الإجراءات اللازمة لبسط سلطتها على جميع الأراضي اللبنانية وتحرير ما تبقى منها من الاحتلال الإسرائيلي. هذه الفقرة واضحة في توجيه المسؤولية إلى الحكومة اللبنانية، لا إلى أحزاب أو جماعات أو ميليشيات. أي أن التحرير واجب وطني، لكنه واجب تقوم به الدولة الشرعية عبر مؤسساتها، لا عبر قوى موازية لها. لو كان الطائف يهدف إلى إعطاء شرعية دائمة للمقاومة المسلحة، لما أصرّ على حلّ الميليشيات وتسليم السلاح. التناقض بين البندين لا يمكن حله إلا بالعودة إلى منطق الدولة، التحرير حق، لكن وسيلته شرعية ودستورية، أي عبر الجيش والقوى الرسمية. إن الإصرار على تأويل نص الطائف بشكل يشرعن بقاء السلاح خارج الدولة هو في الواقع خروج عن روحية الطائف ونصه، وتحويل لاتفاق وُضع لإنهاء الحرب الأهلية إلى أداة لتكريس ازدواجية السلاح. أخيراً وليس آخراً، إن اتفاق الطائف لم يمنح أي مشروعية لاستمرار المقاومة المسلحة خارج إطار الدولة بل على العكس، وضع قاعدة أساسية لبناء الدولة الحديثة في لبنان، لا سلاح شرعي إلا سلاح الدولة. أما بند التحرير، فهو واجب وطني محصور بالحكومة اللبنانية وقواها الشرعية. إن أي قراءة مغايرة ليست تفسيرًا بريئًا للنص، بل محاولة لفرض واقع سياسي وعسكري يتناقض مع جوهر الدستور وروح الطائف.