
رسالة الى المسؤولين
كأنّ اللبنانيين يعيشون فيلمًا مكرّرًا من الخيبات، تبدّلت الوجوه، تغيّر الخطاب، لكنّ جوهر الحكم هو نفسه، غياب القرار، ضياع الأولويات، وتواطؤ الصمت على حساب الناس. حين انتُخب فخامة الرئيس جوزاف عون، أمٍل اللبنانيون أنّ صفحة جديدة ستُفتح في تاريخ لبنان، صفحة تعيد الثقة بدولةٍ تتكلّم باسمهم لا باسم من يتحكمون بها. لكنّ الأيام مرّت، والوعود تبعثرت، وبدأت التساؤلات المؤلمة يتردّد صداها في الشارع اللبناني، هل انتهى العهد قبل أن يبدأ؟ أو هي وعود لم تكتب بالحبر، بل بالتمنّي؟ خطاب القسم قد كان لافتًا، أعاد إلينا أملاًً كنا فقدناه في قيام دولة القانون والمحاسبة. لكن ماذا بعد الكلام؟ لم يرَ الناس خطة واضحة، ولا قرارات توازي حجم التحدّي، نريد دولة تمسك بزمام الأمور، لا رئيسًا يكتفي بالوعود العامة ومتى غاب الفعل، صار الكلام مجرّد صدى رنَان في وطنٍ تتآكله الأزمات. لقد كان السلاح غير الشرعي هو الغائب الأكبر في كل عهد، نعم كل العهود هربت من هذا الملف كمن يهرب من النار، وكأنّ السيادة ترفاً وليس أساسًا. فالدول لا تبنى والسلاح مشرع بيد غيرها. فأين هو موقف الرئاسة من هذه المسألة؟ فهو أي فخامة الرئيس هو المسؤول الوحيد بين السلطات الثلاث الذي أقسم بالحفاظ على الدستور، السكوت لم يعد حكمة، بل أصبح تواطؤًا بالصمت ونحن نريد جوابًا واحدًا، من يحكم لبنان، الدولة أم الدويلة؟ والجواب لا يُختصر بشعارات بل بموقف علني وصريح، حتى لو كان مكلفًا سياسيًا. نأتي إلى جريمة العصر، المرفأ، عدالة تنازع، مدفونة، مخنوقة حتى الآن، نعم كارثة مرفأ بيروت كانت الفرصة لتُثبت الدولة أنها لا تزال قادرة على فرض العدالة، لكنّ التحقيق دُفن في أدراج المصالح، وتحوّل الشهداء إلى تفصيل في معركة نفوذ مخيبة للآمال. من المعيب أن تمرّ هذه الجريمة بلا حساب وبلا عقاب، من المؤسف أن يقف العهد متفرّجًا فيما العدالة تُغتال كل يوم، من المعيب أن تمرّ هذه الجريمة دون معرفة الحقيقة وإعلانها، من المؤسف وقوف العهد متفرّجًا فيما العدالة تُغتال كل يوم. من لا يواجه الفساد في ملف كهذا، لن يستطيع المواجهة في أي ملف آخر، فساد في الحكم، منظومة باقية وتتمدّد وكأنّ الحكومة نادي قدامى الفاسدين، الوجوه نفسها، الأساليب ذاتها، والنتائج من أسوء الى أسوء، من حقنا السؤال، أين التغيير الذي وُعدنا به؟ إذا كان الرئيس يعرف من يعطّل ويُفسد، فليعلنها بالفم الملآن، ليسمِّ الأسماء، وليترك للناس مهمة الضغط والمحاسبة. نحن لا نريد خطابات مبطّنة، بل مصارحة شجاعة تعيد إلى الناس ثقتهم بأنّ هناك من يجرؤ على قول الحقيقة. إنها الفرصة الأخيرة، قبل أن يُغلق التاريخ الصفحة، لا يزال أمام فخامة الرئيس نافذة أمل صغيرة ليعيد تصويب المسار. عليه أن يتحرّك بسرعة، أن يقرّر قبل أن يُقرَّر عنه، وأن يثبت أنّه رئيس دولة لا رئيس مرحلة، فالعهد الذي لا يصطدم بالمنظومة، تبتلعه المنظومة. وإذا لم يخرج الرئيس من دائرة الحذر إلى دائرة الفعل، سيكتب التاريخ أنّ عهده انتهى قبل أن يبدأ، لا لأنّ الظروف كانت صعبة، بل لأنّ الإرادة كانت أضعف من التحدّي. لبنان اليوم ليس بانتظار البطل الخارق، بل الرئيس القديس الصادق والمنزَه. رئيس يقول الحقيقة كما هي، يسمّي المعرقلين، يواجه الفاسدين، ويحمي ما تبقّى من دولة، حينها كل لبنان وشرفاء لبنان وسيادي لبنان سيكونون الى جانبه، بل انهم المدافع الأول عنه. أيتها الحكومة الصمت ليس سياسة بل مشاركة في الانهيار وبصمتكم سينهار الوطن.