الفرق بين الحرية والتحرر في المفهوم السياسي

pic for politic

في عالم تكثر فيه الشعارات وتُستعمل الكلمات دون تمييز، يبدو الخلط بين مفهومي الحرية والتحرر شائعًا وخطيرًا في آن. كلا المفهومين يحمل بُعدًا سياسيًا عميقًا، لكن الفرق بينهما جوهري، والتلاعب بهما ليس مجرد خطأ لغوي، بل وسيلة لتضليل الرأي العام، وتبرير القمع أو التبعية باسم القضية. في السياسة كما في الفكر، الحرية والتحرر ليسا مترادفين، بل مرحلتين مختلفتين ضمن مسار بناء الشعوب والدول. الحرية في معناها السياسي، هي حق فردي مكفول في دولة القانون. هي المساحة التي يُسمح فيها للإنسان أن يفكّر، يقول، يكتب، يختار، ويعارض، دون أن يُهدّد أو يُقمع، ما دام لا يعتدي على حرية غيره. وهي تُمارَس ضمن نظام ديمقراطي يضمن الحريات العامة والخاصة، مثل حرية الرأي، المعتقد، الإعلام، الاجتماع، التنظيم السياسي، والاحتجاج السلمي. الحرية لا تعني الفوضى، بل هي مقنّنة بقانون، محروسة بمؤسسات، ومحمية بالقضاء المستقل

أما التحرر، فهو فعل جماعي وتاريخي، يسعى إلى كسر قيد التبعية أو الاحتلال أو الاستبداد. وقد يكون تحررًا من قوة أجنبية تحتل الأرض، أو من طبقة سياسية تهيمن على القرار، أو حتى من فكر أو نظام اقتصادي يفرض التبعية. هو فعل مقاومة لا يخضع لقواعد القانون بل يسعى لفرضه التحرر لا يُمارَس، بل يُنتزع. وغالبًا ما يكون نتيجة نضال طويل، وقد يتطلب مواجهات وتضحيات. لكن التحرر لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحرية. فكثير من الدول تحررت من الاستعمار، ثم وقعت في قبضة الاستبداد الداخلي. وهذا ما يجعل التمييز بين المفهومين ضروريًا. لطالما استخدمت الأنظمة الشمولية شعار “التحرر الوطني” لتبرير قمعها للحريات. فكم من سلطة منعت حرية الصحافة أو سحقت المعارضين بحجّة “المؤامرة الخارجية” أو “المعركة المصيرية”! وكأن التحرر يُعطيها صكًا مفتوحًا لحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم. في الواقع، التحرر لا يكتمل إلا بحرية الداخل، والحرية لا تُمارَس فعليًا إلا في دولة سيّدة القرار. كل محاولة للفصل بين الاثنين، هي محاولة لبناء كيان هش، لا يُنتج مواطنًا حرًّا، بل تابعًا. في خلاصة الأمر أن تتحرر من الاحتلال لا يعني أنك حر. وأن تعيش في بلد ديمقراطي لا يعني أن شعبك غير مقيّد بتبعية سياسية أو اقتصادية. لكن الأكيد أن الشعوب التي لا تميّز بين المفهومين، تبقى رهينة شعارات تُطلقها السلطة، تُخدّر فيها الناس، وتُمعن في سرقة حريتهم باسم “المعركة”. في النهاية، التحرر بمفهوم حزب حراس الارز هو مرحلة، أما الحرية فهي مشروع. التحرر يُنتزع، والحرية تُبنى. ولا قيمة لتحرر لا يفضي إلى حرية، ولا حرية تُمنَح من دون تحرر