
غالباً ما يُساء فهم القومية اللبنانية، وتُتهم بأنها انغلاق على الذات، أو تنكّر للمحيط العربي. غير أن هذا الفهم مجحف، بل يعكس قراءة سطحية لمشروع فكري عميق، قائم على أسس إنسانية، ثقافية، وسياسية راقية. القومية اللبنانية ليست نقيضاً للانفتاح، بل هي إطاره السليم. ليست عزلة، بل تحصين للهوية كي تذهب واثقة إلى الخارج، وتتفاعل نداً للند مع الدول والشعوب، انطلاقاً من كرامة وطنية راسخة وحرص على المصلحة اللبنانية العليا.
أولاً: القومية اللبنانية ولادة من رحم التعدد والحرية
يرتكز الفكر القومي اللبناني على فهمٍ عميق لخصوصية لبنان: بلد صغير جغرافياً، كبير بتاريخه، متنوّع بطوائفه، وغني بثقافته. وقد عبّر عن هذا المعنى البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته “رجاء جديد للبنان”، حين اعتبر أن “لبنان ليس أمة كالأمم، بل وطن الرسالة”، إذ إنّه بطبيعته المتعددة يُمثّل نموذج تعايش حضاري فريد، لا يمكن اختزاله في بعد طائفي أو مذهبي. لبنان ليس مساحة محايدة بين قوى متنازعة، بل كيان معنوي حيّ، إذا فقدَ هويته الفكرية والأخلاقية، فقدَ مبرّر وجوده. في لبنان لا يكفي أن نعيش معًا، بل يجب أن نُبدع سويًا. فالتعدد ليس دعوة للتقوقع، بل نداء للارتفاع فوق الذات صوب حقيقة إنسانية لبنانية أشمل. إن لبنان، كما يتصوّره العقل الكبير والفكر الحرّ، هو مركز إشعاع ثقافي وأخلاقي في هذا الشرق القلق، وهو ليس مستودع أديان وطوائف، بل مختبر للحرية والكرامة والاختلاف الحضاري الراقي، لبنان لا يُختصر في محور ولا يُسجَن في محمية مذهبية. إذا تحوّل إلى تابع، مات. وإذا نسي دوره، تاه. وإذا ارتضى أن يكون ساحة لا دولة، أو وسيلة لا غاية، خان رسالته، على اللبناني كائنًا من كان، أن يحبّ لبنان أولاً، لا طائفته ولا عشيرته ولا تمويل الخارج. فالانتماء الوطني ليس رأيًا بين آراء، بل هو شرط الحرية والكرامة والوجود معًا. إننا لا نريد لبنان دولة دينية، ولا عَلمانية مستوردة، بل لبنان الإنسان: الذي يفكّر، يؤمن، يشك، يخلق، يكتب، ينقد، يحاور، ويخدم الحقيقة ولو على حساب المصلحة. هكذا كان فكر شارل مالك، وهكذا يُفضل أن يكون لبنان الرسالة لا المساومة، لبنان العقل لا الغريزة، لبنان الإنسان لا الأداة
ثانياً: التاريخ لا كهوية مغلقة، بل كقاعدة انطلاق حضاري
لا تنبع القومية اللبنانية من الحنين إلى الماضي، بل من الوعي العميق بتاريخ حضاري متميز، يشكّل منطلقاً للتفاعل مع العالم، لا سبباً للانعزال عنه لقد كانت الكنعانية، بحسب إتيان صقر (أبو أرز)، هي الأساس الحضاري العريق الذي أعطى لبنان لغته الأولى، ومجده التجاري، وانفتاحه التاريخي. ويقول أبو أرز “إن اللبناني لا ينغلق، بل يذهب إلى البحر، إلى الحرف، إلى الحوار. نحن شعب لا نخاف الآخر، بل نصنع معه الحضارة”
القومي اللبناني يستحضر هذا التاريخ لا ليبني سوراً، بل ليؤسس متينٍ من الوعي، كي يخاطب محيطه والعالم من موقع قوة معرفية وثقافية، لا من موقف تبعي أو عاطفي
ثالثاً: الانفتاح على المحيط… بشرط السيادة والندية
إن العلاقة بين لبنان ومحيطه لا تكون صحية إلا إذا قامت على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، وتوازن المصالح. وهذا ما يؤكده فكر ميشال شيحا حين دعا إلى علاقات جيدة مع العرب، ولكن من موقع اللبنان أولاً، لا من باب الانصهار في مشاريع لا تشبهه ويرى شارل مالك أن على لبنان أن يكون “ضمير الشرق”، لا تابعاً لهذا النظام أو ذاك، بل صوتاً للحرية والكرامة والحق، وصلة وصل حضاري بين الشرق والغرب. في حزب حراس الأرز ذلك المكون السياسي المقاوم المناضل المتفاني في حب لبنان نقول وبالفم الملآن نريد الخير، كل الخير للعرب، ولكن ليس على حساب لبنان. لا تنادي القومية اللبنانية
بالعداء للعرب، لكنها ترفض العروبة السياسية المفروضة، بل وترى أن لبنان كيان مستقل بهويته وتاريخه وثقافته، لا يُختزل في المشروع القومي العربي أو أي محور إقليمي او أي قومية أخرى. ففي أساس القومية اللبنانية لبنان ليس عربيًا ولا حتى غربيًا، لبنان لبناني. لذلك للمرة الأخيرة نقول: لسنا أعداءً لأحد لكننا نرفض ان يستباح لبنان باسم أي قضية غير قضيته الجوهرية.
رابعاً: القومية اللبنانية لا تعادي أحداً لكنها ترفض الذوبان
القومي اللبناني لا يعادي أي شعب، بل يرفض أن ييكون لبنان ساحة صراع بالنيابة عن الآخرين. إنه لا يتنكر للعروبة كإطار حضاري لأصحاب الفكرة، لكنه يرفضها كهوية سياسية إلزامية تُفرض عليه. إنه لا يُقصي الإسلام، لكنه يرفض الدولة الدينية مسيحية كانت أم مسلمة. إنه لا يعادي الغرب، لكنه يرفض الاستتباع الثقافي والسياسي. وهذا التوازن الفكري هو ما ميّز روّاد الفكر القومي اللبناني الذين طالبوا دوماً بـاحترام السيادة اللبنانية، تعزيز الدولة المدنية، حماية الحياة الفردية والجماعية والانفتاح الثقافي المسؤول.
أن تكون قومياً لبنانيًا لا يعني أن تكون ضد العرب.
أن تكون مسلمًا لا يعني أن تذوب في مشروع الخلافة أو الممانعة. ان تكون مسيحيا لا يعني الذوبان في الغرب، القومية اللبنانية، ليست انغلاقًا، بل وعيًا دقيقًا بأن السيادة ليست ترفًا، بل شرطًا لأي إصلاح، وأي تقدم، وأي عدالة.
نحترم سوريا، ولكن لا نُحكم منها، نحب فلسطين، ولكن لا نحرِق لبنان من أجلها، نريد الخير للعرب، ولكن ليس على حساب بلدنا، أليس الشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام الأول لحزب الله، قبل أن ينشق عن الخط الإيراني، قال بعد خروجه
السلاح الذي لا يخدم لبنان، هو سلاح ضد لبنان. لا أريد أن يحكمنا لا بشار الأسد ولا خامنئي. نريد دولة لبنانية تحمينا جميعًا. كيف لأي قومي لبناني ان يرفض ما قاله الشيخ صبحي الطفيلي. هذه العبارة ليست تمردًا على الطائفة، بل دفاعًا عن الوطن. الطفيلي، من عمق بيئة المقاومة، قدّم شهادة حية على أن الهوية الوطنية لا تُلغي الالتزام الأخلاقي بالقضايا العادلة، لكنها ترفض أن يُستخدم لبنان وقودًا لصراعات الآخرين
خامساً: المصلحة اللبنانية أولاً ودائماً
القومية اللبنانية هي مشروع سيادي – إنمائي – إنساني، لا يختزل في خطاب نظري. وهي ترى في حماية الاقتصاد، والعملة، والسياسة الخارجية، والأمن الاجتماعي، أولوية مطلقة. فلا معنى لأي خطاب قومي من دون إنهاء السلاح غير الشرعي، تحرير القرار اللبناني من الخارج، إعادة الاعتبار للمؤسسات، وتحقيق العدالة الاجتماعية فكما قال شارل مالك
إن الدفاع عن الحرية لا يكون بالشعارات، بل بإقامة دولة لا تساوم على كرامة مواطنيها
في المحصلة، القومية اللبنانية مشروع دولة لا مشروع طائفة في زمن الضياع والهويات المركّبة، ستبقى القومية اللبنانية مشروعاً لإنقاذ لبنان من التبعية، من الذوبان، ومن الطائفية هي ليست حنيناً إلى الماضي، بل بناء للمستقبل على أسس حضارية متينة هي ليست عزلة، بل انفتاح بشروط السيادة هي ليست كبرياء فارغاً، بل كرامة وطنية فعلية، تفهم نفسها، وتحترم الآخر، وتتواصل معه من موقع الندّ، لا التابع ولا السيد، ومن هنا، فإننا نعيد تأكيدنا نحن حركة القومية اللبنانية بأن
القومية اللبنانية هي جسر، لا جدار، وهي رسالة لا سلاح، وهي دعوة لا إقصاء، وهي لبنان كما أراده أبناؤه الأحرار، لا كما تحاول فرضه المحاور التي لا تمت بأي صلة الى لبنان. نريد لبنان بكل طوائفه وبكل نقطة مياه وبكل حبة تراب، حاليا تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقولة سلخ مدينتنا طرابلس لضمها الى سوريا، إنها كتابات أقل ما يقال فيها أنها تكتب بقلم أسود في غرفة سوداء لهدف داخلي من أصحاب الفكر الأسود. يقال إن طرابلس كانت تاريخيًا جزءًا من بلاد الشام، لماذا لا تُعاد إلى سوريا؟ ويُساق هذا الكلام على أساس ديني أو طائفي أو جغرافي، وكأنه منطق يُناقش ببرود لكننا هنا، باسم القومية اللبنانية الحقة، نرفض هذا الطرح جملة وتفصيلاً، لا بالعاطفة فقط، بل بالمنطق، بالتاريخ، وبالكرامة.
أولاً: طرابلس لبنانية الهوية والانتماء
طرابلس ليست مجرد مدينة في الشمال، بل هي ركن أساسي من الكيان اللبناني، بطابعها الحضاري، الثقافي، الشعبي، والوطني هي مدينة الشهداء والكتّاب والمجاهدين في سبيل الاستقلال والحرية والسيادة، من عبد الحميد كرامي إلى رشيد، ومن بعلبكي إلى المقدمين والعائلات العريقة التي دفعت ثمنًا غاليًا لتبقى طرابلس حرة لبنانية
ثانيًا: القومية اللبنانية لا تُختصر في طائفة ولا في جهة
من ينادي بضم طرابلس إلى سوريا، إنما يرى لبنان كجسم طائفي هشّ، لا كوطن جامع لكن القومية اللبنانية ليست جغرافيا مرسومة على الخريطة، بل هي انتماء حضاري نابع من الإيمان بلبنان الإنسان، لبنان الرسالة، لبنان التعدد
طرابلس ليست سنية، بل لبنانية
كما أن جزين ليست مسيحية، بل لبنانية
كما أن بعلبك ليست شيعية، بل لبنانية
كما أن زغرتا ليست مسيحية بل لبنانية
كما ان بشري ليست مسيحية بل لبنانية
ثالثًا: سوريا دولة نحترمها ولكننا لسنا تابعين لها
نحترم سوريا، الشعب والتاريخ والجوار، ولكننا لا نقبل أن يُستخدم هذا الاحترام لطمس حدودنا، طرابلس ليست هدية تُعطى لأن الجغرافيا أقرب. فلو كان هذا مقياسًا، لوجب أن يُعاد رسم خرائط العالم بأسره لكن الدولة لا تُقاس بالموقع، بل بالانتماء. والانتماء في طرابلس لبناني حتى العظم. لبنان بلا طرابلس ليس لبنان، وطرابلس بلا لبنان ليست طرابلس. فكما أن بيروت قلب الوطن، وزحلة بوابته الشرقية، وصيدا رئته الجنوبية، فطرابلس هي رأسه شمالًا، ومخزونه الثقافي، وميناؤه إلى المتوسط الواسع إن من يطرح اليوم – لو صح الطرح- مشاريع تقسيمية أو إلحاقيه، فهو لا يُدرك أن ما يجمع طرابلس بلبنان ليس فقط السياسة، بل التاريخ، التراث، والدم. طرابلس لم تكن يومًا جزءًا من ولاية دمشق أو حلب إداريًا في العصر العثماني الحديث، بل كانت متمايزة، ولها ولاية خاصة منذ عام 1517
رابعًا: دعوات الضم خيانة للبنان وخطر على العيش المشترك
من يطالب بسلخ طرابلس نحو سوريا، إنما يزرع قنبلة في قلب لبنان لأن هذا المنطق يعني تقسيم لبنان على أسس طائفية ومذهبية، ويعني نهاية الدولة، واستمرار الدويلات ولربما هم من يسوقوا تلك الأفكار لأن النظام الحالي في سوريا يعرف جيدا طبيعة لبنان واللبنانيين وأنهم كجسم واحد قاوم احتلال الأسد ولن يتوانى عن مقاومة أي معتد على السيادة. نحن نواجه هذا الطرح ليس بالدفاع عن الطرابلسيين فقط، بل دفاعًا عن كل لبناني فمن يسكت على اقتطاع طرابلس اليوم، قد يقبل بضم جبل لبنان غدًا، أو عكار، أو البقاع وهذا انتحار جماعي. فليتذكر العالم أن طرابلس كانت خط الدفاع الأول عن لبنان في وجه الوصاية، في وجه التطرّف، في وجه الإرهاب، وقفت طرابلس رغم الفقر والتهميش المتعمّد، لم تبع هويتها رغم الجراح، لم تساوم على انتمائها. طرابلس ليست خاصرة رخوة، بل رئة للبنان الذي نؤمن به: لبنان الحريّة والسيادة والكرامة. نحن نردّ على كل محاولة تقسيم أو تشكيك، ليس بالتخوين، بل بالتجذير في القومية اللبنانية، ففيها لا طوائف، بل مواطنون لا مناطق هامشية، بل وطن واحد. طرابلس ليست على هامش الخارطة، بل في صلب الهوية اللبنانية وهي صورة مصغرة عن لبنان بتعدد الأديان والمذاهب .
جوزاف س. أمين | أخبار البلد