
إن للميلاد الأول رمزاً يخصّ العلاقة الأولى بين الزوجين
أود أن أفتح باباً على سؤال يتكرّر أمامي، سؤال يتجاوز سطح الحياة اليومية ليبلغ أعمق ما في الكينونة من أسرار، هل أؤيد مساكنة رجل مع عذراء قبل الزواج، بما يتضمّنه ذلك من علاقة جسدية كاملة؟
جوابي المباشر: لا. قد يُقال لي: كيف يصدر هذا الرفض منك وأنت منفتح الذهن، عابرٌ لحدود العادات والتقاليد؟ والحقّ أنني كثيراً ما امتنعت عن الرد حين يُطرح هذا السؤال، لا عن تردّد في الموقف، بل خشية من أن يُساء فهم ما أراه في باطن الأمر، ولا سيما حين يكون السائل امرأة، لأن الكلمة، مهما رُصّعت بالنية الطيبة قد تجرح شعوراً أنثوياً رقيقاً لو لم تصبّ في القالب المناسب لكن، اسمحوا لي هنا أن أُبسّط الرؤية التي أتبنّاها، عساني أجد في الفضاء الرقمي من يصغي للمعنى الذي أسعى إليه. حين حدثنا المسيح عن العذارى العشر الخارجات إلى لقاء العريس، لم يكن الحديث مجرد استعارة تُنتقى من اللغة اعتباطاً. أنا على يقين بأن وراء لفظة العذارى سرّاً روحياً بالغ العمق -سنتطرق اليه في مواضيع لاحقة-، سرّ يتصل بصفاء الوجود الأول الذي يدخل به الكائن الإنساني إلى علاقة مقدسة. وفي لغتنا، حين نقول البكر، فإننا لا نشير فقط إلى ترتيب الولادة، بل إلى حالة أولى لا يعاد إنتاجها، حالة يخرج فيها الكائن إلى العالم من رحمٍ لم يلامس الوجود قبله إلا بصفاء أصله. إن للميلاد الأول رمزاً يخصّ العلاقة الأولى بين الزوجين، تلك العلاقة التي تشكّل لحظة انتقال الوجود من إمكانه إلى فعله. وفي الزواج ذاته، علينا أن نتأمل، ماذا يحدث على المستوى الباطني بين الشريكين؟ إن للرجل بذرة تحمل شفرته، وتحمل في طياتها القدرة على فتح رمز الرحم العذري. وليس الأمر جسدياً فقط، بل هو حدث كوني صغير، تتفاعل فيه كيانات مادية وروحية انفصلت في المبدأ لتلتقي من جديد عبر الفعل الخلاّق للحب المشروع. ولهذا السبب العميق، ولأسباب تنتمي إلى الباطن أكثر من الظاهر، أرفض المساكنة بما تتضمنه من علاقة كاملة، لأنها تتجاوز سرّ العذرية قبل أن يتهيأ لها إطارها الوجودي الصحيح. لكن يجب أن أؤكد أن العذرية هنا ليست جسدية فحسب؛ فثمة عذرية أخرى لا يقل شأنها، العذرية العاطفية والفكرية، تلك التي تشكّل الهالة الحقيقية للأنثى، وتسمّها بطهارة حضورها، لأنها ـ أحد أنقى تجليات الخلق الإلهي. لقد آن لنا أن نكف عن استنزاف المرأة وتحويلها إلى وسيلة أو سلعة، سواء في الحياة الاجتماعية أو المهنية أو في حركة المجتمع الأوسع. أنا لا أدعو إلى التزمت أو إغلاق الأبواب على الخبرة الإنسانية، بل أدعو إلى إعادة المرأة إلى مقامها، وإلى دعوتها لأن تحفظ هذه القيمة بذاتها ولذاتها، بوصفها كائناً نورانياً يستحق أن يُعامل بما يليق بأسراره وعمقه.