المسيح

مسيحنا، كيف أراك؟ ومن أنت؟

قرأت الكثير عنك، يا من لم تُحَدّ بتعريف ولا تُختصر بعبارة. قالوا عنك: إنسان كامل، معلم، إله من إله، كلها تفسيرات صحيحة ضمن أطرها، لأن كلًّا منهم كتب بحسب نوره وثقافته ورؤياه. لكن، هل يحقّ لي أنا أن أكتب عنك؟  أنا الذي لم أتعلم بعد أبجدية الوجود، ولم أفكّ رموز الكون، ولم أعرف حتى البارحة سرّ مجيء المجوس إليك، ولا الرابط الكياني بيني أنا الإنسان، وبينك أنت، الخطوة الأخيرة على سلّم يعقوب الصاعد من تراب الأرض إلى نور السماء. ومع ذلك، سأحاول الكتابة. سأحاول، رغم فشلي الدائم في أن أسمعك كما يجب أن يسمع من له أذنان للسمع. لقد أدهشني ما قرأته في مطلع إنجيل يوحنا، ذلك النصّ الذي يبدو وكأنه كُتب في لحظة كونية على قمة جبل لبناني يتّحد فيه التراب بالعاصفة والنور

في البدء كان الكلمة،
والكلمة كان عند الله،
وكان الكلمة الله،
وبه كان كلّ شيء،
وبه كانت الحياة،
والحياة كانت نور الناس،
والعالم لم يعرفه. وقفتُ أمام هذه الآيات كما يقف طفل أمام بحرٍ لا نهاية له، تساءلت إن كان العلم هو سعي الإنسان إلى الخير، والمسيح هو الخير المطلق، فلماذا لا نحاول أن نمدّ جسراً بين العلم واللاهوت، بين العقل والنور، لنفهم قصد يوحنا الانجيلي حين كتب في البدء كان الكلمة؟ هل يمكن للعلم فكّ رموز هذه الكلمة؟ هل يمكن أن نقرأ اللاهوت بعين العلم، لا بعين الخوف؟ هل يمكن أن نفهم، ولو بقدر ما يسمح النور، تلك العلاقة الخفية بين الكلمة والوجود؟ أنا لا أدري لكني أعلم أن كل من يفتح إنجيل يوحنا ليبدأ عمله، إنما يستدعي الكلمة لتكون فيه، يستدعي النور ليُضيء فعله، ويستدعي السرّ الأعظم ليذكره أن كل ما يُفعل، إنما يُفعل “به” وفيه” ومنه.