
ليست الطريق الباطنية مسارًا يُطرَق من قبل الساعين إلى فضولٍ عابر، ولا هي دربٌ تُفتح أمام من يطلب إجابات جاهزة. إنّها، في جوهرها، مسيرة وعيٍ متدرّج، لا يبدأ فيها السائر قبل أن يضع أمام ذاته ثلاثة أسئلة تأسيسية، تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مفاتيح لأبواب الوجود في باطنه، من أين أتيت؟ لماذا جئت؟ إلى أين أسير؟
هذه الأسئلة، وإن بدت أوليّة، تُعدّ بمثابة الخطوة الأولى نحو ترتيب الداخل، نحو بناء تسلسل معرفي يجعل الجواب نفسه تجربة لا معلومة، والسؤال الذي يطرحه كل مبتدئ على عتبة هذا الدرب هو لماذا أسلك هذا الطريق؟
يبدأ المرء بتوجيهه لنفسه، ثم يطرحه على من سبقه في الخبرة، من يثق بصفاء بحثه، وبقدرته على الغوص في أسرار الوجود، سواء كانت تلك الأسرار من عالم الظاهر أو عالم ما وراء الحسّ. فالبحوث الروحية ليست منهجًا ملزمًا للجميع، بل هي مسار يختلف باختلاف النفس السائرة إليه، لأنها تُبنى من الداخل لا من القوالب الجاهزة. الإنسان، بطبيعته، يميل إلى رفض ما يعجز عن شرحه. أمّا السالك الباطني تحديدًا، فيمتلك حساسية أشدّ تجاه اللامفهوم، وقد يلامس هذا الرفض حدود التمرّد، لا لغياب الإيمان، بل لشوق عميق إلى العدل والنظام الكوني. ومن هنا تنشأ الأسئلة الوجودية مثل،
لماذا يولد طفل معاق؟ أين يكمن العدل الإلهي؟
لماذا وُلدتُ في بيئة محرومة لا في أخرى مرفّهة؟
لماذا أنا البكر لا الأصغر؟ لماذا أنا ذكر لا أنثى؟
أسئلة تتكاثر كلما استيقظ في الإنسان حسّ البحث الحقيقي. لسنا هنا في معرض قبول تلك الأسئلة أو رفضها، بل في الإشارة إلى أنّ الفلسفة الباطنية تعلّم المريد منهجًا للبحث، وتعطيه مفاتيح الغوص في النفس والباطن واللاوعي، ليكتشف أنّ الإجابات لا تُمنح من الخارج بل تُستخرج من الداخل. أحبّتي، ليس العيب أن نسأل بل العيب أن نظل ندور في السؤال دون أن نجرؤ على طرق باب أعماقنا. فكل الأجوبة مودعة فيك، تنتظر لحظة النضج والتهيّؤ وما عليك إلّا أن تقرع الباب الصحيح، في الوقت الصحيح، بالسؤال الذي وُلد من صدقٍ داخلي، وعندها وحدها ينفتح لك الباطن، لا بوصفه سرًا غامضًا، بل كحقيقة لم تكن غائبة عنك يومًا