تساؤلات عن الخلق

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

المعركة ليست حرباً بالأسلحة، بل تحوّلاً في بنية الوعي الكوني

ليس سؤال الخلق مجرّد تساؤل لاهوتي عن بداية الزمان، بل هو في جوهره، بحثٌ عن موقع الإنسان في نسيج قوى تمتدّ عبر مستويات الوجود. والإنسان، بما يمتلك من وعي متنامٍ، لا يقنع بالسرديات السطحية، بل يسعى إلى إدراك البنية الروحية التي تقوم عليها الكينونة، بما فيها الصراع بين النور والظلمة، بين الحرية والقوانين الكونية، ما أخبرك إياه هو محاولة لاستعادة صورة الخلق كما تظهر عند تخوم الفلسفة الروحية، صورة لا تتعامل مع الإله والملائكة والشيطان كأشخاص فحسب، بل كقوى كونية حيّة، تعمل ضمن بوتقة روحية واسعة، تتجاوز التصورات الدينية المباشرة. في الرؤية الباطنية، الإنسان ليس وليد الجسد، بل الجسد هو المرحلة الأخيرة من سلسلة وجودية تمتدّ عبر عوالم ما قبل المادّة. قبل أن يُمنح الإنسان شكله الأرضي، كان موجوداً كقابلية روحية غير متعيّنة، كفكرة إلهية تتشكّل عبر عصور لا تُقاس بالسنوات بل بتطوّر الوعي. وفي هذا الطور العلوي، لم يكن الإنسان منفصلاً عن مصدره، بل كان جزءاً من نسيجٍ كوني، يتكوّن من مراتب تسبق ما نسمّيه اليوم بالعقل والإرادة والأخلاق. لهذا، فإنّ السؤال لماذا خُلق الإنسان؟ لا يصحّ طرحه دون السؤال الأعمق، في أيّ مرحلة من الوجود بدأ الإنسان إدراك ذاته؟ ترد في تقاليد عديدة حكاية عن صراعٍ في السماء، وعن ملاكٍ سقط من مرتبته. غير أنّ نقل هذه الصورة إلى مستوى فلسفي يتطلّب التحرّر من معناها الحرفي. فالمعركة ليست حرباً بالأسلحة، بل تحوّلاً في بنية الوعي الكوني، وفق هذه المقاربة، الملائكة كما يفهمها العامة تمثّل قوى اتّساق وتنظيم، وما يُسمى بالشيطان يمثّل قوّة انفصال، لا تُفهم على أنّها شرّ خالص، بل ميلٌ إلى الاستقلال، إلى الانفصال عن المصدر. فسقوط هذه القوة هو اللحظة التي وُلد فيها إمكانية الحرّية ولذلك لم تُلغَ هذه القوة بعد سقوطها، لأنّ وجودها شرط لتكوين إنسانٍ حرّ. فالنور إذا لم يقف بإزاء الظل، يبقى غير مُدرَك، بل لا امكانية الوعي. والتساؤل المشروع لماذا لم يُنهِ الإله أثر الشيطان بعد السقوط؟ هذا السؤال جوهري، ولا يمكن تجاهله، إن كان الإله يريد الخير للإنسان، فلماذا يسمح لقوة أعلى من الإنسان بأن تجرّبه؟ في الرؤية الروحية، الجواب لا يقوم على ثنائية خير مقابل شر، بل على منظومة حرّية مقابل اكتمال الوعي. فالقوة التي نسمّيها شيطاناً لها وظيفة كونية، أن تُعرّض الإنسان إلى أعماق ذاته، وأن تدفعه إلى تجاوز حدوده الغريزية. إنّها ليست قوّة تهدم من أجل الهدم، بل قوّة تضع الإنسان أمام مسؤوليته لو أنّ الشرّ استُؤصِل منذ البداية، لكان الإنسان يعيش في نعيمٍ لا خيار فيه، وبالتالي بلا إرادة حقيقية، لأنّ الإرادة لا تتكوّن إلا بالمواجهة. لكن هل اختبار ابن الانسان هو تجاسر الشر على الله؟ تقول النصوص إنّ الشرّ جرّب ابن الله نفسه. وهذا يفتح سؤالاً عظيماً، إذا كانت هذه القوّة قد تجرّأت على الوجود الإلهي المتجسّد، فكيف لا تتجرأ على الإنسان الضعيف؟ هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً، ليس الهدف إهانة الإله أو تهديده، بل إظهار أنّ الوعي الإنساني نفسه حتى في أعلى تجلّياته يجب أن يمرّ عبر التجربة. فالتجسّد الإلهي لم يكن خروجاً من الاختبار، بل عبوراً واعياً فيه، لإتمام عملية التطوير الروحي للبشرية. أهو سر غير معلن؟ نعم، جوهر السرّ يكمن في ثلاث احتمالات متداخلة. أنّ الإنسان كان موجوداً، بصورة ما، قبل المعركة الكونية، ليس إنساناً مادياً، بل جوهراً في طور التشكل. قد يكون شاهداً، أو جزءاً من منظومة الوعي التي شهدت الانفصال الأول. أنّ الشرّ ليس نقيض الخير، بل جزء من تركيبة الكون الروحية، مثلما لا معنى للصوت بلا صمت، ولا للبصر بلا ظلمة، أنّ الإنسان لا يزال في منتصف الطريق ما نراه اليوم ليس الوعي المكتمل، بل مرحلة انتقالية بين الأصل الروحي والمصير الذي لم يتحقّق بعد. إذا كانت القوى الروحية الكبرى قد خاضت معركتها الأولى في عالمٍ يسبق المادّة، فإنّ الإنسان اليوم يخوض معركته الثانية في عالم الجسد. الأولى كانت معركة قوى عظيمة، والثانية معركة وعي. الأولى شكّلت البنية الكونية، والثانية تُشكّل مصير الإنسان. والسؤال ليس من انتصر في السماء؟ بل، إلى أين يتجه الإنسان في رحلته، وما الدور الذي يلعبه الشرّ في نضوجه؟ إنّ سرّ الخلق لا يكمن في معرفة ما حدث قبل ملايين السنين فحسب، بل في إدراك أنّ الإنسان وُضع وسط جدلية كونية، تتشكّل فيها الحرّية عبر مواجهة القوى المتعارضة. وقد يكون ما نسميه اليوم أسئلة بلا أجوبة، ليس نقصاً في المعرفة، بل مرحلة ضرورية من تطوّر الوعي، مرحلة يُنتظر فيها من الإنسان أن يكتشف بنفسه ما لم يُكشف له بعد.