
تسريبات فيما خص الرد اللبناني على ورقة الموفد الأميركي
مرة جديدة، يُفاجأ اللبنانيون بتسريبات ومداولات غير رسمية حول ما يُحكى عن رد لبناني تم إعداده لتسليمه إلى الموفد الأميركي المعني بمسألة الحدود الجنوبية وملف السلاح غير الشرعي، من دون أن يُصار إلى أي نقاش رسمي أو تداول علني ضمن الأطر الدستورية التي تُفترض أن تُناط بها حصراً إدارة شؤون الدولة وصوغ مواقفها في القضايا السيادية الكبرى، وأقله فليعرض على طاولة مجلس الوزراء للتصويت عليه. وإزاء هذا الواقع الخطير، لا بد من طرح جملة من التساؤلات المشروعة، التي تعبّر عن قلق عميق إزاء المنهجية التي تُدار بها الملفات الحساسة والمصيرية في البلاد، من قرر مضمون الرد؟ من كلّف؟ من فوض من؟ وهل طُرح هذا الأمر على طاولة مجلس الوزراء أو حتى في جلسة تشاورية بين الرؤساء والقيادات الوطنية؟ وإذا لم يحصل شيء من ذلك، فأين هي الدولة؟ وأين هو دور المؤسسات؟ وأين الشفافية التي طالما رُفعت كشعار في وجه انعدام الثقة بين المواطن والدولة؟ نتحدث هنا عن ملف بحجم تحديد مستقبل قرار الحرب والسلم، ومصير السلاح غير الخاضع للشرعية، وتوازن الردع والتهدئة في جنوب لبنان وكل ذلك يتم تداوله في غرف ضيقة بعيداً عن أنظار الرأي العام، وبمعزل عن المؤسسات الدستورية المعنية، وفي طليعتها مجلس الوزراء، الذي يُفترض أن يكون المرجع الدستوري الأول في صوغ أي موقف رسمي يُنسب إلى لبنان. إن ما يجري يطرح علامات استفهام كبرى حول من يحتكر القرار وكيف يتخذ هكذا قرار دون تصويت الوزراء ومن يُقصي المؤسسات، ومن يتعامل مع الدولة وكأنها هيكل شكلي لا دور له في تحديد خيارات البلاد، وكأن التفاوض والتفاهم والتعهد يمكن أن يتم باسم لبنان من دون العودة إلى اللبنانيين أنفسهم، وممثليهم، ومؤسساتهم. إننا نرفض رفضاً قاطعاً أن يتم اختزال موقف الدولة اللبنانية ببيان أو رسالة أو مضمون تفاوضي لا يحظى بأي مشروعية دستورية، ولا يمرّ عبر القنوات المؤسساتية الشرعية. فالأمر لا يتعلق بإجراء تقني، بل بمبدأ سيادي، وبمسؤولية وطنية شاملة تقتضي أعلى درجات الوضوح، والمصارحة، والمحاسبة. مجلس النواب أعطى ثقة للحكومة كي تقوم بالمطلوب منها بالشكل الرسمي والشرعي والقانوني، فأين هي من تلك المسؤولية التي يجب ان تتحملها، وإذا كان البعض يرى في ذلك “شأناً يخص طرفاً دون غيره”، فإننا نذكّر بأن السلاح غير الشرعي، وتبعاته الإقليمية والدولية، وأبعاده الأمنية والسيادية، ليست شأناً خاصاً، بل قضية وطنية بامتياز، تخص كل لبناني، وتمس حاضر البلاد ومستقبلها. وعليه، فإن أي موقف لا ينبثق عن المؤسسات، ولا يصدر باسم السلطة التنفيذية مجتمعة، هو موقف باطل سياسياً، وخطير وطنياً، ومرفوض أخلاقياً، ومن الممكن الطعن بالورقة اياً كان محتواها، وندعو في هذا السياق إلى العودة فوراً إلى منطق الدولة، إلى احترام الدستور، إلى تفعيل دور مجلس الوزراء، وإلى وقف هذه الممارسات التي تنسف ما تبقى من هيبة الدولة وثقة الناس بها. فلا يُبنى وطن على قرارات تُصاغ في الظل، ولا يُصان أمن على حساب المؤسسات، ولا تُدار السيادة بمنطق الاستنسابيّة.. عودوا إلى الدستور، الخطأ الذي يمكن ان يحصل خلال ممارسة الدستور يبقى أفضل من صواب مبني على مخالفة الدستور