لا يمكن فصل الواقع السياسي عن البعد الديني العقائدي

حرب عسكرية أم عقائدية؟
نتساءل عما يجري في #الشرق_الأوسط حالياً، الكثير من التحليلات، سياسية، عسكرية، هل ما يحصل يندرج ضمن واحدة من الحربين؟ أهي عسكرية بحتة أم لها صلة ما بحرب عقائدية؟ للوقوف عند ذلك لا بد لنا من التطرق الى تفسيرهما أولاً، هنا لا اخوض بتفاسير العلم العسكري وتقنيات الحروب بل من باب التوضيح فقط. الحرب العسكرية، في معناها الكلاسيكي، هي صراع مسلح بين دول أو كيانات سياسية بهدف تحقيق مكاسب محددة وواضحة، أرض، موارد، نفوذ، ردع، أو تغيير موازين القوة، تُدار هذه الحرب وفق قواعد نسبية، جيوش نظامية، استخبارات عسكرية، خطوط مواجهة، اتفاقيات دولية، ونهايات سياسية يمكن التفاوض حولها حتى في أقسى صورها، تبقى الحرب العسكرية أداة في يد السياسة، ويمكن إيقافها متى تغيّرت الحسابات أو تحققت الأهداف.
أما الحرب العقائدية فهي صراع من طبيعة مختلفة تماماً، هي حرب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالرموز، بالنصوص، بالذاكرة، بإعادة تعريف الحق والباطل والوجود. في هذا النوع من الحروب، لا يكون الخصم مجرد عدو سياسي، بل يُصوَّر كعدو وجودي، أو كعائق أمام تحقيق وعد إلهي أو خلاص تاريخي. في هذا النوع من الحروب غالباً ما نواجه غياب الأهداف القابلة لتسوية ما، وتحويل الصراع الى معركة بين الخير والشر على مدى أجيال وتبرير كل هذه الآفات والعنف باعتباره واجباً مقدساً، لذلك غالباً ما نواجه صعوبة في الوصول الى سلام نهائي كون أي تنازل يعبر او يفسر وكأنه خيانة للعقيدة او للفكرة المعتبرة مقدسة.
عند النظر إلى الشرق الأوسط، لا يمكن فصل الواقع السياسي عن البعد الديني العقائدي، فالمنطقة هي مهد الديانات الإبراهيمية الثلاث: اليهودية، المسيحية، والإسلام، بغض النظر عن مدى صدقية هذه المقاربة، لكن كل منها يحمل تصوراً خاصاً حول الزمن، النهاية، والعودة المنتظرة لكيان روحي أو مخلّص ما، ففي اليهودية ما زالوا بانتظار مسيحهم ولربما
إعادة بناء الهيكل الخاص بهم والمسيحية بانتظار المجيء الثاني للمسيح والإسلام بانتظار المهدي ونزول عيسى بن مريم.
هذه التصورات، حتى وإن لم تكن حاضرة صراحة في #الخطاب_السياسي اليومي، فإنها تسكن العمق الثقافي واللاوعي الجماعي، وتُستَثمر أحياناً بشكل مباشر أو غير مباشر لتبرير الصراع، أو لإضفاء طابع قدري عليه. يبقى التساؤل، هل ما يحدث في الشرق الأوسط هو حرباً عقائدية؟ بحقيقة الامر هو مزيج معقد، هناك حروب عسكرية واضحة بأدوات حديثة تارة وتقليدية تارة أخرى، كما أن هناك صراعات سياسية على السلطة والنفوذ، لكن في الخلفية غير الظاهرة بوجود وقود عقائدي يمنع إطفاء النار بالكامل. حين يتحول النزاع إلى صراع على الأرض المقدسة وحين يُقدَّم الموت بوصفه شهادة، وحين يُربَط الحاضر بنبوءات الماضي ونهايات التاريخ، فإننا نكون أمام مؤشرات حرب عقائدية، حتى لو ارتدت ثوباً عسكرياً أو سياسياً، وكلنا يتذكر المفردات المستعملة من النصر الإلهي الى الشيطان الأكبر فهل هذه توصيفات عسكرية؟
أخطر ما في الحرب العقائدية أنها لا تعترف بالحلول الوسط، ففي الحرب العسكرية، يمكن توقيع اتفاق، رسم حدود، فتح صفحة جديدة أما في الحرب العقائدية، فالنصر يعني إلغاء الآخر، لا التعايش معه، والأخطر من ذلك، أن الشعوب غالباً ما تدفع ثمن صراعات تُدار باسم السماء، بينما تُحسم نتائجها على الأرض لمصلحة قوى سياسية وزمنية.
ما يجري الآن في #ايران لا يمكن اختزاله في كونه حرباً عسكرية فقط، ولا يمكن وصفه بأنه حرب عقائدية صافية، بل هو صراع تتداخل فيه السياسة مع العقيدة، والتاريخ مع النبوءة، والأرض مع المعنى وما لم يتم فصل الإيمان الروحي عن أدوات الصراع السياسي، ستبقى هذه المنطقة تعيش حروبًا بلا نهاية، لأن من ينتظر الخلاص السماوي، نادراً ما يبحث عن سلام أرضي. ولنتذكر جيدا أن إبراهيم الخليل موطنه الأصلي العراق، فهل بدأت تلك الحرب مع اجتياح العراق؟ سؤال يُطرح بحاجة الى تعمق في الجواب.