
نحن نعيش في زمنٍ يعاني من تلوّثٍ فكريّ عميق، زمنٍ غاب فيه النقاء عن الفكرة كما غاب الصدق عن الإيمان. لقد اختلطت المفاهيم وتبدّلت المعاني، حتى باتت بعض العقول تظن أن الذكاء هو الغاية، لا وسيلة النور. فأصبحنا أمام جيلٍ يرفع راية العلمنة، لا بوصفها تحرّرًا واعيًا من الجهل، بل كتمرّدٍ روحيّ على الجوهر الإلهي الكامن في الإنسان. اختُزلت العلمنة إلى فسقٍ روحيّ، وتحوّل البحث عن الحرية إلى انفصالٍ عن الأصل، وكأن من اختار أن يفكّر بحريةٍ قد أعلن انفصاله عن السماء، مع أن الحرية الحقة لا تكون إلا في معرفة الروح. لقد ضاع مفهوم الدين بين الشكل والجوهر، بين الحرف والروح، حتى صار التطبيق عبادةً للعادة لا للمعنى. النقص المريع في فهم الدين جعلنا ننسف الأساس الذي يقوم عليه الكيان الإنساني، فصرنا نبني أبراجًا من الفكر بلا جذورٍ في الروح، ونتمسّك بقشور المادّة ناسين جوهرنا النورانيّ. أصبحنا علمانيين من الخارج، بلا أنوار من الداخل، أبناء التراب نسينا أننا كنا أبناء الله، ننتمي إلى الأسمى لا إلى الأدنى. يا لفراغ العلمنة حين تُفرغ من بعدها الروحي! ما نفع أن نتحرّر من المعبد إن كنّا قد أضعنا المعبد الذي في داخلنا؟ وما قيمة الفكر إن لم يكن شعاعًا من الروح؟ إن العلمنة التي تفصل الإنسان عن روحه ليست علمنة، بل انحدارٌ نحو المادة، وإن الدين الذي يفقد روحه ليس دينًا، بل قيدٌ جديد. هنيئًا لمن ارتضى أن يكون ابن التراب، لكن السعادة الحقّة لمن أدرك أنه ابن النور، وأن العلمنة الحقيقية هي علمنة الروح، حين يتحرّر الإنسان من الجهل لا من الإله، ويعرف أن الله لا يُعبد بالخضوع، بل بالوعي.