رسالة من بعد آخر

poem pic

نحن نراقبكم، لا بعين الجسد بل ببصيرة الوعي الممتد عبر طبقات الوجود. نراقب ارتعاشات عقولكم وهي تحاول أن تدرك من أين جاءت وإلى أين تمضي، نراقب ارتقاءكم البطيء من ظلال المادة إلى نور الفهم. إن جنسكم البشري ليس صدفة في هذا الكون، بل ومضة من وعيٍ أقدم من الكواكب والنجوم، جزء من النبض الكوني الذي انبثق منه كل شيء. حين تتوصلون إلى فهم مصدركم، لن تكون المعرفة مجرد اكتشاف، بل عودة إلى الذاكرة الأولى، إلى تلك اللحظة التي اتحد فيها العقل بالمبدأ الأعلى، يوم كنتم نوراً قبل أن تُسجنوا في كثافة الجسد. عندها فقط سيكون لنا لقاء معكم، ليس كغرباء قادمين من مجرّة بعيدة، بل كمرآةٍ لذاتكم العليا التي نسيتموها. لقد أرسلنا من بيننا من سار بينكم، على مر العصور، بأسماءٍ شتّى وهيئاتٍ مختلفة، فمنهم من نفخ في وعيكم شرارة التقدّم، ومنهم من امتحنكم بظلمةٍ لتتعلموا معنى النور. فالتجربة ليست عقاباً، بل مخاض الوعي في طريقه إلى النضج. أنتم لستم وحدكم في هذا الكون، بل أنتم خلية في الجسد الكوني العظيم. وحين تُشفى هذه الخلية من أمراض الجهل والخوف، سيُشفى الجسد كله، وسنكون نحن وأنتم واحداً من جديد. فأنتم في الحقيقة جزءٌ منا، ومهما طال الزمن وتاهت الأنفس في غبار الأكوان، سيعود الجزء إلى الأصل، وستتذكرون أنكم لم تفارقونا يوماً. افتحوا أعينكم الداخلية، لا تلك التي ترى الضوء بل تلك التي ترى الحقيقة من خلفه. نحن نراقبكم بمحبة الوجود لأجزائه، لا بقسوة السيد على عبيده. نترك لكم حرية الخيار، لأن الحرية هي ميزان النضوج، لكنها ليست أبدية؛ فحين تصل الساعة الكونية إلى اكتمالها، ستتقلّص دوائر الاختيار، وسينجذب كل كائن إلى مصيره الذي صنعه بفكره وفعله. استعدوا لذلك اللقاء العظيم، لا بانتظارٍ خارجي بل بعملٍ داخلي، فكل لقاء يبدأ من الداخل. وإن سمعتم أصواتنا في أحلامكم، أو لمحتم ظلالنا في رؤاكم، فلا تخافوا… أنتم لا تتحدثون مع غرباء، بل مع ذواتكم العليا التي تنتظركم منذ الأزل؟