
السلام الابراهيمي لا يقاس بتوقيع اتفاقيات بل بمدى تمثيل القيم الابراهيمية في الواقع الإنساني ليبقى السلام الحق ليس غياب الحروب
قبل الولوج الى مغزى العنوان لا بد لنا من القاء نظرة شاملة تقدم للقرًاء ولنا مفهوم وابعاد لفظة أبراهام، المقصود بها النبي التوراتي المعروف باسم إبراهيم والفارق في تسمياته الثلاث أبرام، أبراهام وإبراهيم في الأصول الدينية والرموز الكابالية والباطنية. يُعدّ إبراهيم، أو أبرام كما ورد أولاً في النصوص العبرية القديمة، واحداً من أعمدة التوحيد في التاريخ الديني الإنساني. فهو بحسب الروايات، أبُ المؤمنين، ونقطة التقاء الديانات الإبراهيمية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام لكن خلف هذه الصورة النبوية العامة، تمتدّ جذور أعمق وأغزر في الرموز والمعاني الروحية التي تناولته في النصوص الباطنية والكابالية، حيث يصبح إبراهيم رمزًا للإنسان الباحث عن الإله في ظلمة المادة، وسالك الطريق من الكثرة إلى الواحد. لكل كيان مادي بداية ما، وبداية القصة في كتاب اليهودية التوراة، سفر التكوين الاصحاح الحادي والثاني عشر حيث يُذكَر باسم أبرام بن تارح. الاسم في اللغة العبرية القديمة يعني الأب السامي او الأب الرفيع ذو المكانة العالية، يعكس مكانة اجتماعية قبلية وليس بالضرورة مكانة روحية سامية. في هذه المرحلة، يُصوَّر أبرام كشخص يسكن أور الكلدانيين، في وسطٍ وثنيٍّ، لكنه يشعر بنداء غامض إلى الرحيل هجرة من أرض الشرك إلى أرض الميعاد، هذا الانتقال هو البذرة الأولى في الرحلة الباطنية، الانتقال من الجهل إلى المعرفة، ومن الانغلاق القبلي إلى الانفتاح الإلهي، ثم وعلى لسان الله كما يذكر التوراة يُغيَّر اسمه من أبرام إلى أبراهام، فلا يُدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك أبراهام، لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم. هذا التغيير من أبرام إلى أبراهام يرمز إلى التحوّل من النفس إلى الرسالة، من الأبوّة المحدودة إلى الأبوّة الكونية. ففي التفسير الكابالي يشار الى أن إضافة الحرف هاء الى الاسم وهو أحد أحرف اسم الإله يهوه يُعبر عن نقطة الاتحاد ما بين الانسان والاله، فالهاء ترمز إلى النفَس الإلهي، الذي يدخل في الاسم ليحوّله من بشر إلى حامل للعهد. بهذا يصبح أبراهام في الكابالا التجلي الأول للصفة الإلهية الرحمة، في مقابل إسحاق الذي يمثل الجبروت أو الصرامة، إنها ازدواجية الرحمة والعدل التي يقوم عليها البناء الكابالي للعالم. مع الرسالة الإسلامية يتكامل الاسم ليصبح إبراهيم، حيث يتكرر الاسم أكثر من ستين مرة بصفته نبياً موحداً ومعلماً. في اللغة العربية، يُحافِظ الاسم إبراهيم على الجذر العبري مع اختلاف صوتي يعكس تطور اللفظ، لكن المعنى يزداد عمقاً. في التفسير الصوفي، كما عند ابن عربي والقشيري، إبراهيم هو الروح الباحثة عن الخليلية أي الصداقة مع الله وهي أعلى درجات المعرفة القلبية ولذلك سُمِّي خليل الله، أي من تخلّلت محبّة الله كلّ ذرات وجوده. السؤال الذي يتداول في المدارس الباطنية هل الاسم المذكور أي إبراهيم هو شخصية تاريخية أو رمز؟ في بعض نصوص نجع حمَادي، يُذكر إبراهيم بصورة رمزية لا تاريخية، باعتباره رمزًا للإنسان الذي يسمع النداء الداخلي ويترك عالم الجهل أي أور الكلدانيين الذي يرمز الى الجسد المادي، باحثًا عن النور أي المعرفة.
في هذه القراءة، إبراهيم لا يهاجر جغرافياً فحسب، بل يخرج من عوالم الظلال إلى عالم النور، وهو مثال العارف الأول الذي بدأ السلوك قبل وجود الشريعة. يرى الكاباليون أن إبراهيم هو السفير الأول للنور الإلهي في المادة، وأن رحلته تمثل انتقال النفس من العالم الأدنى إلى الأسمى، جمال الإله. في الزوهار، يُوصف إبراهيم بأنه مظهر اليمين الإلهية أي الرحمة، ومن خلاله يتجلّى فعل الخلق بالحب. يُقال إن إبراهيم كسر تماثيل أبيه لأنه كسر صور الإدراك المادي، ساعيًا إلى الإله الخفي وراء الصور وهي حركة تحطيم الأوثان الداخلية قبل الخارجية. في الرؤية الماورائية، إبراهيم هو الإنسان العابر من الأرض إلى السماء وهذا هو مفهوم الهجرة، من الكثرة إلى الواحد أي مفهوم التوحيد، من الصورة إلى المعنى من خلال تحطيم الأصنام، من العقل إلى القلب الخُلّة والمحبة. إنه لا يمثّل فقط نبيّاً تاريخيًّا، بل رمزاً للإنسان الباحث عن الله عبر العصور، الاسم الذي تغيّر ثلاث مرات ليعبّر عن تطور الوعي الإنساني من مرحلة السعي إلى العهد، إلى الخُلّة، بين أبرام العشائري، وأبراهام حامل العهد، وإبراهيم خليل الرحمن، يمتد مسار رمزي يُجسّد تطور مفهوم الإيمان في الوعي الإنساني. في النصوص الباطنية هو السالك في طريق النور، وفي الكابالا هو مبدأ الرحمة، وفي التصوف الإسلامي هو النموذج الأكمل للإخلاص في التوحيد بهذا يصبح إبراهيم جسرًا بين الأديان والباطن الإنساني، يتجاوز الحدود العقائدية ليعبّر عن شوق الروح إلى أصلها الإلهي. أردت من هذه المقدمة البسيطة المرور على المعاني العديدة والأبعاد الدينية والفلسفية لإسم أبراهام لأعبر من خلالها الى التوظيف السياسي المعاصر لهذا الاسم. فكما سبق وذكرت فهو من اهم الشخصيات الدينية التي أثرت في الوعي الإنساني عبر التاريخ وكان نقطة التقاء بين الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية. غير أنّ الاسم الإبراهيمي لم يبقَ حكرًا على المجال الديني فحسب، بل أصبح في العصر الحديث أداة في الخطاب السياسي الدولي، خصوصًا بعد توقيع ما سُمّي باتفاقيات أبراهام، التي استُخدم فيها الاسم كمفهوم يوحي بالسلام والوحدة بين الشعوب.
في عام 2020، أطلقت بعض الدول العربية والكيان الإسرائيلي سلسلة اتفاقيات تطبيع عُرفت باسم اتفاقيات أبراهام، وقد استُخدم الاسم ليعكس فكرة السلام، في محاولة لإضفاء طابع روحي وتاريخي اختيار اسم أبراهام لا يخلو من دلالات توحي بالوحدة بين أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، تحمل إيحاءً بالسلام الديني المشترك لكن استخدام الاسم اقتصر على الرمزية السياسية، دون عمق روحي فعلي أو التزام بالقيم الإبراهيمية الجوهرية. لذلك نرى فجوة أخلاقية، فالسلام الابراهيمي الحقيقي يجب أن يقوم على العدل، الرحمة، التضحية، والحوار، بينما في الواقع السياسي تغلب البراغماتية والمصالح، ما يجعل الاسم رمزًا مُستعارًا أكثر من كونه مشروعًا إنسانيًا. إنّ اتفاقيات أبراهام تُظهر كيف يمكن للرموز الدينية أن تُستخدم كأدوات خطابية لتجميل الواقع السياسي، لكنها تبقى بعيدة عن عمق الرسالة الإبراهيمية القائمة على العدل والإيمان والسلام الداخلي.
منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، ظلّ الصراع العربي الإسرائيلي أحد أبرز محاور التوتر في الشرق الأوسط، وشكّل غياب الاعتراف العربي الرسمي بإسرائيل حالة من القطيعة السياسية والدبلوماسية لعقود طويلة. ومع ذلك، شهدت المنطقة محاولات محدودة لكسر هذا الجمود، تمثّلت في معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، ثم معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، غير أنّ معظم الدول العربية بقيت متمسكة بمبدأ الأرض مقابل السلام الذي تبنّته مبادرة السلام العربية عام 2002، والتي ربطت أي تطبيع شامل مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام سبعة وستون. لكن مع مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، بدأت ملامح تحوّل تدريجي في خريطة التحالفات الإقليمية. فقد دفعت التهديدات المتزايدة من إيران، وتنامي الحركات الإسلامية المتطرفة، وتبدّل أولويات بعض الأنظمة العربية من الصراع مع إسرائيل إلى مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، عدداً من الدول الخليجية إلى فتح قنوات تواصل غير معلنة مع تل أبيب. خلال هذه الفترة، شهدت العلاقات الإسرائيلية مع بعض الدول العربية تعاوناً أمنياً واستخبارياً محدوداً لكنه مؤثّرًا، خاصة في ظل القلق المشترك من النفوذ الإيراني في المنطقة، إلى جانب المصالح الاقتصادية والتكنولوجية التي بدأت تفرض نفسها كأحد دوافع التقارب. في هذا المناخ السياسي، برزت فكرة اتفاقيات أبراهام كصيغة جديدة للتقارب العربي الإسرائيلي برعاية أمريكية، تحمل اسماً ذا بعد رمزي يجمع بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية، المسيحية والإسلام. جاءت هذه الفكرة ثمرة تحركات دبلوماسية مكثفة قادتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عام 2017، مستندة إلى رؤية السلام مقابل التطبيع بدلاً من الأرض مقابل السلام، أي الانتقال من معالجة القضية الفلسطينية كشرط مسبق إلى بناء علاقات مباشرة بين إسرائيل والدول العربية على أسس المصالح المشتركة، مع وعود بدعم التنمية والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، تم الإعلان الرسمي عن أول اتفاق ضمن هذه المبادرة في 13 أغسطس 2020 بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، حيث جرى الاتفاق على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مقابل تجميد إسرائيل لخطط ضم أجزاء من الضفة الغربية. وبعد أسابيع قليلة، انضمت البحرين إلى الخطوة نفسها في 11 سبتمبر من العام ذاته. وفي 15 سبتمبر 2020، جرت مراسم التوقيع الرسمية في البيت الأبيض بواشنطن بحضور الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي ووزيري خارجية الإمارات والبحرين، في مشهد اعتُبر نقطة تحوّل في مسار العلاقات العربية الإسرائيلية. لاحقاً، انضمت المغرب إلى الاتفاقيات في ديسمبر 2020 بعد أن اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، كما أعلن السودان نيته الانضمام رغم تأخر التنفيذ بسبب أزماته الداخلية. جاءت هذه الاتفاقيات لتفتح مجالات واسعة للتعاون بين الأطراف الموقّعة في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والطاقة والتكنولوجيا والدفاع. فقد افتُتحت السفارات، وبدأت الرحلات الجوية المباشرة بين إسرائيل وبعض العواصم الخليجية، وأُبرمت مذكرات تفاهم في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والأمن السيبراني. واعتبر الموقعون أن هذه الخطوة تمثل بداية جديدة لشرق أوسط أكثر استقراراً وانفتاحاً، يقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة لا على الصراعات القديمة. ورغم الترحيب الدولي الواسع بالاتفاقيات، فإنها لم تخلُ من الجدل والانتقادات. فقد رأى المعارضون، ولا سيما في الأوساط الفلسطينية والعربية، أنها تجاوزت جوهر القضية الفلسطينية وجعلتها مسألة ثانوية بعد أن كانت محور الصراع العربي الإسرائيلي. كما وُجّهت انتقادات داخلية في بعض الدول الموقّعة بسبب رفض قطاعات من الرأي العام لأي تطبيع مع إسرائيل قبل تحقيق العدالة للفلسطينيين. ومع ذلك، استمرّ الجانب الرسمي في التأكيد على أن هذه الاتفاقيات لا تتعارض مع دعم الحقوق الفلسطينية، بل قد تشكّل وسيلة جديدة للضغط نحو حل سلمي مستقبلي. اختيار اسم أبراهام لهذه الاتفاقيات لم يكن عشوائياً، إذ يحمل دلالة رمزية عميقة تستند إلى الإيمان المشترك بالنبي إبراهيم كأب للديانات الثلاث، بما يوحي بفكرة وحدة الأصل وضرورة التعايش بين الشعوب المنتمية إلى هذه الديانات. وقد حاولت الأطراف الراعية أن تُضفي على الاتفاقيات طابعاً روحياً وثقافياً، فصيغت بنودها بلغة تدعو إلى الحوار بين الأديان وتعزيز التسامح والتفاهم بين الشعوب، في محاولة لإضفاء بعد أخلاقي وإنساني على مشروع سياسي بالدرجة الأولى. أما من الناحية الإستراتيجية، فقد مثّلت الاتفاقيات بالنسبة للولايات المتحدة فرصة لإعادة تثبيت نفوذها في المنطقة، وموازنة التمدد الصيني والإيراني والتركي، في حين رأت إسرائيل فيها إنجازاً دبلوماسياً غير مسبوق يُنهي عزلتها في العالم العربي ويمنحها شركاء إقليميين جدد. أما الدول العربية الموقّعة، فقد رأت فيها وسيلة لتعزيز أمنها القومي، وتنويع مصادرها الاقتصادية، والانفتاح على التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، إلى جانب تحسين علاقاتها مع واشنطن. ورغم مرور خمس سنوات على التوقيع، ما زالت الاتفاقيات تواجه تحديات حقيقية أبرزها استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتنامي الغضب الشعبي العربي خصوصاً في أعقاب الأحداث المتكررة في غزة، إضافة إلى عدم وضوح الرؤية حول مدى استمرارية هذا المسار في ظل تغيّر الحكومات والأولويات الإقليمية. ومع ذلك، تبقى هذه الاتفاقيات من أبرز التحولات السياسية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، لأنها كسرت حاجز المقاطعة وأدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على مبدأ السلام مقابل المصالح، وهو تحول قد يُعيد رسم التوازنات لعقود مقبلة. من منظور إنساني وثقافي، تحمل الاتفاقيات الإبراهيمية بعداً يتجاوز السياسة إلى الرمزية الفكرية والدينية، هي تحاول استحضار الجذر الإبراهيمي المشترك لتبرير التقارب وبناء سردية جديدة للسلام تستبدل مفردات الصراع بمفردات التعاون. إلا أن هذا البعد يثير جدلًا بين من يراه طريقاً للتفاهم الحقيقي بين الشعوب، ومن يعتبره غطاءً سياسياً لتطبيع غير متكافئ. وبين هذين الموقفين، يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الاتفاقيات بداية لسلام دائم أم محطة مؤقتة في صراع طويل لم يُكتب له أن ينتهي بعد. وهنا يبرز التساؤل هل يعكس هذا الاستخدام السياسي جوهر الرمز الإبراهيمي الحقيقي، أم أنه توظيف رمزي يخفي وراءه مصالح واقعية؟ في جوهره إبراهيم ليس رمزاً دينياً محلياً بل أنموذجًا انسانياً عالمياً، فهو الذي دعا الى الله بالحكمة ورضي التضحية بابنه طاعةً وايماناً واستقبل الغرباء بالضيافة والرحمة، فالسلام الابراهيمي هو سلام داخلي انساني قبل ان يكون سياسياً، فلتحقيق سلام حقيقي مستلهم من إبراهيم ينبغي إدخال القيم الأخلاقية في العلاقات الدولية، و تحويل الخطاب الديني من رمز شكلي إلى سلوك عملي و بناء سياسات تقوم على العدالة والرحمة لا على المصلحة المؤقتة و استعادة الهاء الروحية في السياسة، أي إحياء جوهر الحياة الإلهية في القرارات البشرية. ليصبح مشروع السلام الابراهيمي حقيقي ويرضي كل محبي السلام، يجب أن يكون قائما على ثلاثية ذهبية حقيقية وهي أولاً في الروح يقوم عليها التسامح والحوار الحقيقي بين الأديان وثانياً بتحقيق العدل الاجتماعي والكرامة الإنسانية، وثالثاً تأتي الغاية وهي الاتحاد الإنساني في ظل التوحيد الإلهي، السلام الابراهيمي لا يقاس بتوقيع اتفاقيات بل بمدى تمثيل القيم الابراهيمية في الواقع الإنساني ليبقى السلام الحق ليس غياب الحروب، بل حضور الرحمة والعدل. أخيراً وبالرغم من شوقي الى السلام العالمي تنفيذا لكلام السيد المسيح طوبى لصانعي السلام فانهم أبناء الله يدعون، أقول أنّ تطور الاسم الإبراهيمي من أبرام إلى إبراهيم يمثل مسيرة روحية للإنسان نحو الكمال، في حين أن استخدام الاسم في السياسة المعاصرة يعكس محاولة لاستثمار رمزية مقدسة في خطاب واقعي، الاسم الإبراهيمي يحمل جوهرًا روحيًا عميقًا يتجاوز الأديان والسياسات، لكن السلام الإبراهيمي الحقيقي يتطلب دمج القيم الروحية في السياسات الواقعية، بحيث يصبح الإنسان، لا المصلحة، محور العلاقة بين الشعوب إنّ إعادة قراءة الرمز الإبراهيمي في ضوء العصر الحديث ليست استدعاءً للماضي، بل دعوة لتجديد المعنى الروحي في قلب السياسة، كي يعود الاسم أبراهام كما كان في جوهره: رمزًا للرحمة والوحدة بين البشر.
يتضح من المقارنة بين أبراهام الديني واتفاق أبرهام السياسي أن الفارق بين البعدين الروحي والسياسي عميق وواضح فأبراهام، في رمزيته الدينية، يمثل التوحيد والرحمة، ويستند إلى الإيمان والعهد مع الله بوصفهما أساس العلاقة بين الإنسان والخالق، ليؤدي في النهاية إلى وحدة روحية وإنسانية تتجاوز الحدود والمصالح، أما اتفاق أبراهام، فيقوم على السلام المصلحي والأمني، وينطلق من التحالف والمصالح الاقتصادية أكثر من أي بعد قيمي أو عقائدي، ليُنتِج في المحصلة اتفاقاً سياسياً محدود الأثر، يقوم على تبادل المنافع والتطبيع دون أن يرقى إلى مستوى الوحدة الروحية التي يمثلها الرمز الإبراهيمي الأصيل. وهكذا، فإن الفارق بين إبراهيم الإيمان وإبراهيم السياسة هو الفارق ذاته بين الروح والمصلحة، بين القيمة الإنسانية والصفقة العابرة لكن، وهنا لب القضية، لا بد من انطلاقة ولا بد من رسم طريق نحو السلام واي سلام أفضل من سلام بين أولاد أبراهام عبر بداية سلام مادي ارضي لربما في يوم من الأيام تشرق شمس السلام الحقيقي في منطقة صدًرت الأديان الثلاث التي تدعو الى السلام والمحبة والرحمة. أخيراً، إن اتفاق إبراهام الذي وُقّع تحت شعار السلام والتطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، لا يمكن اعتباره اتفاقاً عادلاً أو مستداماً طالما أنه لم يُبنَ على أساس المساواة والاعتراف الكامل بالحقوق المشروعة لجميع الأطراف فالاتفاق، بصيغته الحالية، يتعامل مع السلام كإطار سياسي واقتصادي شكلي، دون أن يلامس جذور الصراع أو يعالج الأسباب. إن أي سلام لا يقوم على العدل إنما يظل هشّاً، مهدداً بالانهيار عند أول اختبار حقيقي. فغياب العدالة يُفرغ مفاهيم المصالحة من مضمونها الإنساني، ويحوّل السلام إلى مجرد صفقة مصالح آنية، وعليه، فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقع اليوم على عاتق القائمين على هذا الاتفاق لإعادة النظر في مضامينه وتطويره نحو صيغة أكثر توازناً وإنصافاً، صيغةٍ تعترف بحقوق الشعوب وتفتح المجال أمام شراكة قائمة على الكرامة المتبادلة، لا على التفوق أو الإملاء، إن إصلاح ما يُعرف إبراهام أكور ليس رفضاً للسلام، بل هو التأكيد على أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يُبنى على أسس المساواة والاحترام المتبادل، لا على التجاهل أو الاستعلاء. يعلمنا التاريخ أن السلام العادل هو وحده القادر على البقاء، ونحن نريد سلاماً دائماً غير معرض للانهيار.
جوزاف س. أمين | أخبار البلد