
في زيارته الأخيرة إلى بيروت، أدلى الموفد الأميركي توماس براك بتصريح أثار الكثير من التساؤلات والقراءات المتباينة، حيث اعتبر أن حلّ أزمة سلاح حزب الله شأن لبناني، قد يبدو هذا الموقف للوهلة الأولى موقفاً تقليدياً، يؤكد على سيادة لبنان واستقلالية قراره، إلا أن القراءة السياسية المتأنية تكشف أبعاداً أعمق تتصل بتوازنات دقيقة في السياسة الأميركية الشرق أوسطية من خلال هذا التصريح، ينقل براك كرة النار إلى ملعب الدولة اللبنانية، وكأن واشنطن تقول أنتم من ارتضى هذا الواقع وأنتم من يجب أن يغيره. هو موقف يبدو وكأنه انسحاب تكتيكي من الضغط المباشر على حزب الله واستبداله بتصويب مباشر نحو الدولة ومؤسساتها، بما فيها الحكومة اللبنانية والجيش ولكن هل تمتلك الدولة أدوات التغيير؟ وهل هناك إجماع وطني حول مستقبل السلاح خارج إطار الدولة؟ هذا الموقف الأميركي يتضمن أيضاً رسالة إلى القوى اللبنانية المناوئة لحزب الله، لا تنتظروا منا أن نحلّ لكم الأزمة، افعلوا أنتم ذلك عبر أدواتكم السياسية والدستورية، وهي رسالة مزدوجة، أولاً تُسقط الرهان على تدخل خارجي مباشر لنزع سلاح الحزب، وثانياً تدعو إلى إعادة بناء مشروع الدولة القادر على فرض سلطته عبر التوافق الداخلي لا التصادم. كما يمكن ربط كلام براك بخطاب سياسي غربي عام يدعو إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه لا يعارض بقاء حزب الله ما دام لا يهدد مصالح مباشرة، خصوصاً في ظل انشغال واشنطن بملفات أكثر إلحاحاً، كالحرب في أوكرانيا أو الصراع الأميركي الصيني. بذلك يصبح تصريح براك نوعاً من إدارة الأزمة لا حلّها. والمفارقة الكبرى أن تصريح براك، الذي يفترض أنه يكرّس سيادة الدولة اللبنانية، قد يُقرأ أيضاً كنوع من التهرّب الأميركي من مسؤولية كانت واشنطن تتولاها لسنوات، وهي الضغط على حزب الله عبر العقوبات والدبلوماسية. فما الذي تغيّر؟ وهل تخلّت الإدارة الأميركية عن أدوات التأثير التي لطالما استخدمتها، أم أنها أعادت تموضعها في ضوء المتغيرات الإقليمية؟ ان تصريح براك يضع الدولة اللبنانية في مأزق مزدوج، فمن جهة هو يعترف بشرعيتها ويطالبها بتحمّل مسؤوليتها. لكن من جهة أخرى، يعرف الجميع أن هذه الدولة مكبّلة بالانقسامات، وبالتحالفات التي تجعل أي حديث عن نزع سلاح الحزب ضرباً من العبث. فهل المقصود فعلاً دعوة للتغيير، أم تثبيت للواقع تحت عنوان الواقعية السياسية؟ في ضوء هذا الموقف الأميركي الذي يُلقي بالمسؤولية على الدولة، تجد القوى السيادية نفسها أمام استحقاق وطني لا يمكن التهرب منه. لم يعد كافياً الاكتفاء بالتنديد بسلاح حزب الله في البيانات والمناسبات، بل بات من الضروري أن تتقدم هذه القوى برؤية متكاملة وجدّية تُطرح على طاولة الحوار الوطني، وتُبنى على قاعدة تثبيت مبدأ الاحتكار الشرعي للسلاح بيد الدولة . المطلوب اليوم ليس فقط رفع الصوت، بل خوض معركة استعادة الدولة عبر المؤسسات، من المجلس النيابي، إلى الحكومة، إلى الشارع المدني المنظم. كما يُفترض بهذه القوى أن تُحرج المجتمع الدولي، لا أن تنتظر منه التدخل، وذلك من خلال مطالبة واضحة بربط أي دعم للبنان بخطة واضحة لتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، فإما أن تستعيد الدولة سيادتها، أو أن نُكرّس واقع الازدواجية إلى أجل غير مسمّى. في النهاية، يبقى تصريح توماس براك بمثابة تأكيد على أن واشنطن غير مستعدة للمواجهة المفتوحة مع حزب الله حالياً، وأنها تُحمّل الدولة اللبنانية بكل ما فيها من ضعف مسؤولية إدارة ملف أعقد من أن يُحلّ محلياً. وهو بذلك تصريح يدعو للتأمل أكثر مما يدعو للعمل، ويترك الباب مفتوحاً أمام مرحلة جديدة من إدارة الأزمة بدل حلّها.