
القرار في طهران، وحزب الله يجرّ لبنان إلى الهاوية
منذ تأسيس حزب الله في أوائل الثمانينيات، وُلد من رحم الحرس الثوري الإيراني، وتغذّى على عقيدة ولاية الفقيه التي تجعل ولاءه الأول والأخير للمرشد الأعلى في طهران، لا للدولة اللبنانية ولا لدستورها. في وثيقته السياسية عام 1985، أعلن بلا مواربة أن الولي الفقيه، هو القائد الأعلى الذي يطيعه الحزب طاعة عمياء، واضعًا لبنان وشعبه في موقع التابع ضمن مشروع الدولة الإسلامية الكبرى التي تحلم بها إيران. منذ ذلك الحين، لم يكن سلاح الحزب يومًا سلاحًا لبنانيًا حرّ الإرادة، بل مخزنًا من ترسانة إيرانية متقدمة، تُدار قراراته الكبرى من طهران، ويُستخدم في الوقت والمكان الذي يخدم استراتيجيات إيران الإقليمية، سواء في سوريا-سابقاً- أو العراق أو اليمن. المجلس الجهادي للحزب يتلقى أوامره وتسليحه وتمويله من الحرس الثوري، ما يجعل القرار العسكري والسياسي للحزب خارج حدود بيروت بالكامل. والنتيجة تحول لبنان، بفضل هذا الارتباط العضوي، إلى رهينة سياسية وعسكرية في يد مشروع خارجي. الحروب التي خاضها الحزب لم تكن بقرار وطني جامع، بل استدعاءات إيرانية تُنفّذ على الأرض اللبنانية، وكل ذلك على حساب دماء اللبنانيين واقتصادهم وأمنهم. ما يسمّى محور المقاومة أصبح غطاءً لجرّ لبنان إلى مواجهة دائمة، لا نهاية لها إلا عندما ترى طهران أن دور هذا السلاح انتهى. فلنقرأ جيداً التصريحات الإيرانية الأخيرة، في آب 2025، قالها صراحة علي أكبر ولايتي، مستشار السي علي خامنئي، إيران تعارض نزع سلاح حزب الله وأي محاولة لذلك محكوم عليها بالفشل. بكلمات أخرى، هو إعلان رسمي أن سلاح الحزب قرار إيراني بامتياز، وأن لبنان لا يملك حق تقرير مصيره في هذه المسألة. وزارة الخارجية اللبنانية ردّت بوصف ذلك تدخلًا سافرًا، لكن الحقيقة المرة أن الحزب نفسه لم يتجرأ على نفي أو رفض كلام ولايتي، لأن الرسالة وصلت من المركز الذي يملك مفاتيح القرار، حتى السيد حسن نصر الله رحمه الله، لم يُخفِ هذه الحقيقة، فقد قال منذ عام 1989 ولاية الفقيه بالنسبة لنا ليست نظرية، بل التزام عملي وطاعة للولي الفقيه. والحزب حتى اليوم يكرر وصف خامنئي بـإمام الأمة وقائد المسيرة، في إشارة واضحة لمن يملك القرار الحقيقي. حزب الله اليوم ليس مكوّنًا لبنانيًا بالمفهوم السياسي، بل جهاز عسكري وأمني إيراني مزروع في قلب لبنان. سلاحه ليس أداة للدفاع عن الوطن، بل ورقة تفاوض بيد طهران تستخدمها متى شاءت، وتضحّي بلبنان ومصالحه دون تردد. منذ أربعة عقود، فرض الحزب على اللبنانيين واقعًا من الخوف والانقسام، وصادر قرار الحرب والسلم من مؤسسات الدولة، وفرض على الجميع أن يعيشوا رهائن في وطنهم. هذا السلاح، تحت شعار المقاومة، أفرغ الدولة من سيادتها، وأفشل كل محاولة لبناء اقتصاد مستقر أو سياسة خارجية متوازنة. بسببه، انقطعت جسور الثقة بين لبنان ومعظم العالم العربي، وتعمّقت عزلة لبنان دوليًا، حتى أصبح يُنظر إليه كدولة رهينة وفاشلة، تحكمها ميليشيا مرتبطة بنظام أجنبي. كل حرب خاضها الحزب كانت تدفع بلبنان إلى الخراب أكثر فأكثر، دمار البنية التحتية، نزيف الشباب، هجرة العقول، انهيار العملة، وإفلاس المؤسسات. ومع ذلك، يواصل الحزب ترديد شعارات التحرير والانتصار، فيما أرض لبنان تتآكل، وشعبه ينهار تحت الفقر والبطالة واليأس. يعيش اللبنانيون اليوم تحت حكم سلاح لا يملكون حق مساءلته أو ضبطه. هذا السلاح يُدار من خارج الحدود، ولا يخضع لقرار شعبي أو برلماني أو رئاسي. وطالما أن المفتاح في يد إيران، فإن أي حوار داخلي حول مصير هذا السلاح سيكون مجرد مسرحية سياسية لتضليل الرأي العام. فالحقيقة القاسية أن بقاء هذا السلاح على وضعه الحالي يعني بقاء لبنان أسيرًا لمشروع خارجي لا يرى فيه. وطنًا نهائيًا، بل مجرد ساحة من ساحات الصراع الإقليمي. لبنان لن ينهض إلا إذا استعاد قراره الحر، وهذا لن يحدث إلا عندما تُكسر الوصاية الإيرانية عن الحزب، وتعود حصرية السلاح إلى الدولة. وإلا فالمصير المحتوم هو المزيد من الانهيار، حتى تتحوّل الجمهورية اللبنانية رسميًا إلى دولة فاشلة على خرائط العالم. لبنان لن يتحرر ما دام قراره في طهران. سلاح حزب الله ليس درعًا للوطن، بل سلسلة في عنقه، إمّا الدولة أو الدويلة، إمّا السيادة أو الفشل. لكن ما هو المطلوب؟ ندعو كل اللبنانيين الأحرار، الذين يؤمنون بلبنان بلدًا حرًا، سيدًا، ونهائيًا، أن يقفوا صفًا واحدًا خلف رئاسة الجمهورية والحكومة الشرعية، وأن يدعموا الجيش اللبناني بكل ما أوتينا من قوة وإرادة، لأنه الحصن الأخير للسيادة والكرامة، فلننهض معًا بلبنان، الذي هو لنا، نحن أولاده الشرفاء، أبناء الأرض، أبناء الكرامة اللبنانية، الذين يؤمنون بلبنان وطناً نهائياً سيداً حراً مستقلاً، هؤلاء هم أشرف الناس الذين لن يقبلوا أن يُختطف وطنهم أو يُختزل في مشروع غريب عن تاريخه وهويته.