التبرع بالأعضاء هو أسمى أشكال ردّ الجميل

كن متبرعًا
لا تقاس اللحظات في حياة الإنسان بالسنوات، بل بالنبض. نبضٌ يتباطأ في صدر مريض، وعائلة تحصي الأنفاس بدل الساعات، وعيون معلّقة بين رجاء السماء وخوف الفقد والخسارة، في تلك اللحظات، يصبح الأمل خيط نورٍ رفيع، خيط اسمه التبرع بالأعضاء.
التبرع بالأعضاء ليس إجراءً طبّيًا فحسب إنه فعل محبة يتجاوز حدود الجسد، ورسالة إنسانية تقول: حتى بعد الرحيل، ما زال العطاء ممكنًا. منح الحياة الجديدةً لإنسان لم تعرفه، ورسم بسمةً على وجه أمٍ أنهكها الانتظار، أو اعادة نبض الطمأنينة إلى قلب أبٍ كان يخشى أن ينطفئ حلم ابنه.
كم من قلبٍ توقّف، لكن أثره مستمرّ في صدر آخر! كم من عينٍ أغمضت، فأعطت النور لأخرى، لعين كانت تعيش في الظلمة. كم من شعاع روحٍ عاد إلى مصدره، لكنه ترك خلفه أكثر من حياة!
نحن جميعًا، في لحظةٍ ما، كنّا محظوظين بالأخذ من الله، صحة، نفس، فرصة، أو يدٌ امتدت إلينا في ضيق. والتبرع بالأعضاء هو أسمى أشكال ردّ الجميل، ليس لله وحده، بل للإنسانية جمعاء. إنه اعتراف صامت بأن الحياة ليست ملكًا فرديًا، بل أمانة نتقاسمها.
عندما يختار إنسانٌ التبرع فهو لا يودّع الدنيا، بل يزرع فيها. يزرع أملاً في جسدٍ أنهكه المرض، فرحًا في بيتٍ كان يسكنه الخوف، يزرع معنىً خالدًا، أن الرحمة أقوى من الفناء. أهم عطاء هو عطاء القلب من القلب.
ليس كعضلةٍ فحسب، بل كرمزٍ للمحبّة، للنية الصافية، للنبض الذي يقول: أنا هنا من أجلك. حين نعطي من قلوبنا، لا نخسر شيئًا، بل نربح إنسانًا، وربما عائلةً بأكملها، وربما دعوةً صادقةً تُرافقنا في الحياة. فلنختر أن نكون صنّاع حياة، أن يكون رحيلنا متى جاء، بدايةً لفرح الآخرين.
فلنختر أن نترك أثرًا ينبض في هذه الحياة، ولنتذكر أن الحياة وحدة ونحن جزء منها وبتبرعاتنا نساهم بالعودة إلى تلك الوحدة، وحدة بُنيت على المحبة .