
الانعزاليين
في لبنان، هناك كلمات لا تُستخدم دائمًا لوصف الواقع بقدر ما تُستخدم لوضع الخصم داخل إطار اتهامي. ومن أكثر هذه الكلمات حضورًا كلمة الانعزاليين، التي وُلدت في قلب الصراع السياسي اللبناني، ثم تحولت مع الوقت إلى عنوان جاهز يُلصق بكل من يرفض ذوبان لبنان في مشاريع تتجاوز حدوده، لكن السؤال الذي يجب طرحه قبل قبول هذا الوصف هو
هل الدفاع عن لبنان ككيان تاريخي وسياسي مستقل هو انعزال؟ أم أن الخلط بين السيادة والانغلاق هو محاولة لتشويه مفهوم الوطنية اللبنانية؟
فالانعزال يعني أن يرفض الوطن التفاعل مع العالم، وأن ينغلق على نفسه، بينما السيادة تعني العكس تمامًا، أن يدخل الوطن إلى العالم من موقع صاحب القرار، لا من موقع التابع، ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست حول علاقة لبنان بالعرب، بل حول طبيعة هذه العلاقة، هل هي علاقة تعاون بين وطن مستقل ومحيطه؟ أم علاقة اندماج سياسي يؤدي إلى تذويب خصوصية لبنان؟
تبدأ المشكلة في النقاش حول هوية لبنان عندما يتم اختزال التاريخ اللبناني في مرحلة واحدة فقط، وكأن وجود لبنان يبدأ من لحظة دخوله في المجال العربي، لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك فالأرض اللبنانية كانت مسرحًا لحضارات سبقت ظهور القومية العربية الحديثة بآلاف السنين. هنا قامت مدن كبرى من الحضارة الكنعانية والفينيقية، مثل جبيل وصيدا وصور، وكانت هذه المدن جزءًا من عالم البحر المتوسط، لا مجرد امتداد جغرافي للصحراء العربية.
لم يكن الفينيقيون عربًا بالمعنى القومي الحديث، كما أن الاعتراف بهذا الأمر لا يعني إنكار المراحل العربية والإسلامية التي جاءت لاحقًا. فالتاريخ ليس عملية إلغاء، بل تراكم، لبنان هو نتيجة طبقات حضارية متراكمة كنعانية، فينيقية، يونانية، رومانية، بيزنطية، عربية، إسلامية، عثمانية ومتوسطية ومن الخطأ تحويل طبقة واحدة من هذا التاريخ إلى هوية ثقافية وحيدة للبلد. لا خلاف على أن اللغة العربية أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة اللبنانيين وثقافتهم. لكن السؤال الذي بقي محل خلاف واختلاف هو هل اللغة والثقافة تكفيان لتحديد الهوية السياسية؟
فالعالم العربي نفسه ليس أمة متجانسة بالمعنى التاريخي فالمصريون ليسوا امتدادًا قبليًا للجزيرة العربية، والأمازيغ لهم تاريخهم الخاص، والسريان والآشوريون والكلدان يحملون إرث حضارات بلاد الشام وبلاد الرافدين، والأكراد ينتمون إلى سياق تاريخي مختلف ومع ذلك أصبحت هذه الشعوب جزءًا من الفضاء العربي من خلال اللغة والثقافة وهنا يظهر الفرق الأساسي
العروبة يمكن أن تكون إطارًا حضاريًا مشتركًا، لكنها ليست بالضرورة هوية سياسية تلغي الدول والشعوب
فكما أن الأوروبيين يشتركون في حضارة أوروبية دون أن تختفي فرنسا أو إيطاليا أو ألمانيا، يمكن للعرب أن يشتركوا في فضاء ثقافي دون إلغاء خصوصيات أوطانهم.
الموارنة وفكرة لبنان
لا يمكن فهم لبنان الحديث دون فهم الدور التاريخي للموارنة، فالموارنة لم يكونوا مجرد طائفة دينية، بل كانوا جزءًا من عملية تكوين مجتمع له خصوصية سياسية وثقافية ساهموا في بناء المدارس والجامعات، تطوير الصحافة، وإطلاق حركة النهضة، إقامة علاقات واسعة مع العالم الخارجي. لكن الأهم أنهم حملوا فكرة أن لبنان ليس مجرد حدود جغرافية، بل تجربة تاريخية قائمة على التعدد والتوازن. وهنا يجب التذكير بأن الكثير من رواد النهضة العربية كانوا من أبناء لبنان، ما يؤكد أن الانفتاح على الثقافة العربية لم يكن يومًا متناقضًا مع الإيمان بخصوصية لبنان. فاللغة العربية لم تكن المشكلة، بل استخدام العروبة كأداة سياسية فوق الدولة اللبنانية.
من ميشال شيحا إلى حراس الأرز: مسار البحث عن لبنان
تعددت التعبيرات الفكرية عن خصوصية لبنان فالمفكر ميشال شيحا رأى لبنان كصيغة تقوم على التجارة والانفتاح والتعدد، وليس على الانغلاق القومي أما شارل مالك فدافع عن دور لبنان كجسر بين الحضارات، مع الحفاظ على استقلال شخصيته
وفي مرحلة لاحقة ظهر تيار أكثر تطوراً في طرحه، هو القومية اللبنانية التي عبّر عنها حزب حراس الأرز على لسان مؤسس الحزب إتيان صقر فكرة أن لبنان ليس مجرد دولة حديثة، بل كيان تاريخي له هوية خاصة يجب الدفاع عنها
وقد اعتبر أن الخطر على لبنان لا يأتي فقط من الاحتلالات الخارجية، بل أيضًا من المشاريع التي تلغي شخصيته وتضع قراره خارج حدوده، ومن هنا جاء تركيزه على مفاهيم، رفض التبعية لأي كان، السيادة المطلقة للبنان، لبنان أولا وحصرية قرار الدولة. فهل القومية اللبنانية ضد العرب؟
هنا يقع أحد أكبر الالتباسات فالقومية اللبنانية، وفق أنصارها، لا تعني رفض العرب كشعوب أو الثقافة العربية كلغة وحضارة
بل تعني أن العلاقة بين لبنان ومحيطه يجب أن تكون علاقة بين كيانات مستقلة، فاللبناني يمكن أن يكون عربي الثقافة، لكنه لبناني الدولة ويمكن أن ينتمي إلى المشرق العربي، لكنه لا يقبل أن يكون وطنه تابعًا لمشروع سياسي خارجي عربي او غير عربي. فمنذ الحرب اللبنانية لم يكن الخلاف حول هوية لبنان مجرد نقاش فلسفي، بل ارتبط مباشرة بمسألة الدولة
حينها ظهر السؤال المركزي من يملك قرار الحرب والسلم؟ هل هو الدولة اللبنانية؟ أم قوى أخرى مرتبطة بمشاريع إقليمية؟ هنا تحولت السيادة من فكرة نظرية إلى قضية وجودية لأن الدولة التي لا تملك قرارها الأمني والعسكري لا تستطيع حماية أي هوية، سواء كانت عربية أو لبنانية.
وهنا السؤال الأساس لماذا يستمر اتهام السياديين بالانعزال؟
لأن بعض التيارات ترى أن أي تشديد على الخصوصية اللبنانية يهدد فكرة التضامن العربي لكن الرد المقابل يقول
إن التضامن لا يعني الإلغاء، وإن الوحدة لا يمكن أن تقوم على إنكار التنوع فالمشرق العربي نفسه لم يكن يومًا مجتمعًا واحدًا متجانسًا، بل كان دائمًا مساحة لتعدد الشعوب والحضارات ومن هنا فإن احترام لبنان لا يعني ضرب العروبة، كما أن احترام العروبة لا يجب أن يعني إلغاء لبنان. فلبنان ليس ضد العرب، لكنه ليس تفصيلًا في تاريخهم.
المشكلة الأساسية في لبنان ليست أن هناك من يريد الانفتاح على العرب، ولا أن هناك من يريد الحفاظ على خصوصية لبنان
تبدأ المشكلة عندما يتحول أي خيار إلى أداة لإلغاء الآخر لبنان لا يحتاج إلى إنكار ثقافته العربية كي يحافظ على سيادته، لكنه يحتاج إلى رفض أي مشروع يجعل من هويته العربية سببًا لإلغاء شخصيته الوطنية فالسيادة ليست انعزالًا واللبنانية ليست عداءً. والتاريخ اللبناني ليس صفحة هامشية في تاريخ المنطقة. لبنان كان دائمًا ملتقى حضارات، لكن بقاءه ككيان حر يتطلب أن يكون هو صاحب القرار في تحديد موقعه ودوره.
فالوطن الذي لا يملك قراره لا يستطيع أن يحافظ على هويته، والوطن الذي لا يحترم تاريخه لا يستطيع أن يبني مستقبله.