في زاوية منسية من ذاكرة الأمم، هناك وطن اسمه لبنان، لطالما كان وطنًا صغيرًا في مساحته، لكنه عظيمٌ برسالته. هذا البلد الذي أشرقت منه الأبجدية، وتكسّرت على شواطئه أمواج الغزاة، لم يسقط يومًا إلا حين صمت القريب قبل البعيد، وأحجار الشطرنج تغيرت أهدافها، في سبعينيات القرن الماضي، كان لبنان يختنق. لا من حربه التي اسموها أهلية، بل من الغدر الذي تلبّس القضية، ومن الاصطفافات الإقليمية والدولية التي اختارت مصالحها على حساب كرامة هذا الوطن. كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد استُضيفت على أرض لبنان كضيفة، فإذا بها تتحول إلى جيش داخل الأحياء، ودولة داخل الدولة، تُقيم المعسكرات، تُصدر الأوامر، وتُطلق الصواريخ من قرانا، ثم تختبئ حين يأتي الردّ، تاركةً الأبرياء للموت والخراب. باسم فلسطين، نُسفت سيادة لبنان، وباسم النضال، رُوّع شعبه، فحلّ القتل والخطف والنهب، وانهارت مؤسسات الدولة. ثم، حين اشتعلت النار من صيدا إلى بيروت، ومن عكار إلى الجنوب، لم يتحرك العالم ليطفئها. بل كانت الصفقات تُعقد في الظلام. ففي اللحظة التي خرجت فيها منظمة التحرير مهزومة من بيروت سنة 1982، ظنّ اللبنانيون أن صفحة العنف قد تُطوى، وأن بيروت قد تعود عاصمة للحياة. لكنهم لم يعلموا أن اللعبة أكبر من كل دمائهم. خرجت “فتح”، ولكن فُتحت الأبواب، هذه المرّة، أمام سوريا لتتقدّم لا كقوة ردع بل قصفت الفلسطيني في طرابلس وكأنه العدو، وطبعا لم يكن ذلك لتُخمد الحرب، بل لتقبض على لبنان كلقمة سائغة. دخلت الدبابات السورية بيروت لا كضيفة، بل كحاكمٍ عسكري، تجرّد من كل حياد، وتبنّى مشروع الهيمنة المطلقة. وقبل أن يسأل أحد عن مبرر وجودها، كانت مفاصل الدولة قد سقطت تحت قبضة المخابرات السورية وهنا، وقف العالم صامتًا. صامتًا حين اغتيل قادة المقاومة اللبنانية. صامتًا حين نُكّل بالأحرار في الزنزانات. صامتًا حين تم تذويب الهوية اللبنانية، وتحويلها إلى هامشٍ في دفتر المشاريع السورية الإيرانية المشتركة، بل الأدهى، أن هذا الصمت لم يكن مجرد تقاعس، بل كان تواطؤًا مريبًا. ففي اللحظة التي اختار فيها لبنان أن يقاوم مشروع الاحتلال المقنّع، بدأت آلة الاغتيال تعمل: من بشير الجميّل، الى المفتي حسن خالد إلى رفيق الحريري، إلى جبران تويني، وسمير قصير، قائمة طويلة من الأسماء التي دفعت ثمن الكلمة، وثمن السيادة، وثمن رفض الهيمنة. وحين خرجت سوريا رسميًا في 2005، بعد دماء الشهداء، كانت إيران قد مدّت جذورها عميقًا في جسد الوطن، عبر حزب الله، ذاك الذراع الممتد من طهران، الذي سلخ القرار الوطني، واحتكر السلاح، وحوّل الوطن إلى ساحة حرب بالوكالة لبنان لم يُسلَّم في لحظة، بل جرى تعريته على مراحل، وسط صمتٍ عالمي، وعربي، بل ولبناني. نعم، لبنان سُلّم، بعدما وُصف المجرم بالمقاوم، والغازي بالحليف، والخائن بالوطني واليوم، ما أشبه الأمس باليوم. العالم ما زال يكتفي بالتفرج، يراقب من بعيد شعبًا يئنّ تحت وطأة الانهيار، وسطوة السلاح غير الشرعي، والتجويع المنهجي. لكن، يبقى السؤال الأكبر من يعيد للبنان صوته بعدما أُخمد؟ من يُنصفه بعدما خذله القريب والبعيد؟ أم أن علينا أن نستعيده بأنفسنا، شعبًا قرّر ألا يموت، ولا يُباع مرة أخرى في سوق الصفقات؟ ألم يحن لنا ان نفهم ان قوة لبنان بقومتيه اللبنانية، وضعفه حين يريدون ضمه إلى أيدولوجيات لا صلة لنا بها سوى حسن الجوار