
منذ اغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005، دخل لبنان مرحلة جديدة من الانحدار الوطني، كان أبرز ملامحها تحوّل حزب الله من تنظيم يقدم نفسه كمجرد “مقاومة إسلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي”، إلى كيان مسلح مذهبي يفرض هيمنته الكاملة على مؤسسات الدولة، ويجرّ البلاد نحو المحاور والصراعات الخارجية.
لقد خرج حزب الله من عباءة “الظل المقاوم” ليتحوّل تدريجيًا إلى منظومة أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية متكاملة، تعمل خارج إطار الدولة، بل وفوقها، وكأن لبنان ليس وطنًا لجميع أبنائه، بل مجرد منصة لخدمة المشروع الإيراني. إن مشروع حزب الله منذ عام 2005 وحتى يومنا هذا لم يكن يوماً مشروع دولة، بل مشروع هيمنة وتعليب واختطاف، هدفه تحويل لبنان إلى قاعدة متقدمة للحرس الثوري الإيراني، وإخضاع اللبنانيين بقوة السلاح والاغتيال والإرهاب الفكري والانهيار الاقتصادي المنظّم. من اغتيال دولة الرئيس الحريري، إلى تعطيل حكومة دولة الرئيس فؤاد السنيورة، إلى اجتياح بيروت في 7 أيار، مرورًا بحرب سوريا وتجميد انتخاب رئيس الجمهورية، والسيطرة على المطار والمرفأ، وصولًا إلى اغتيال لقمان سليم وترويع كل من يرفع صوته. تتكرر الجرائم، ويغيب الحساب، لأن الفاعل محمي بسلاح ميليشياوي، ومغطى بـ “الميثاقية” زورًا. الميثاقية اليوم لم تعد شراكة وطنية، بل قناع يُستخدم كلما اقترب النقاش من ملف السلاح. ينسحب وزراء حزب الله من الجلسات، يعطّلون المؤسسات، يلوّحون بالشارع، لا بهدف بناء دولة عادلة، بل لضمان بقاء سلاحهم خارج أي مساءلة، فوق الدستور، وفوق القانون، وفوق سيادة الدولة نفسها. إن ما يقوم به حزب الله لا يشبه شركاء في الوطن، بل يشبه إلى حد بعيد احتلالاً داخليًا بهيئة لبنانية وتمويل إيراني. قرار الحرب والسلم ليس في بعبدا، ولا في مجلس النواب، ولا في أي مؤسسة رسمية. القرار عند حزب الله، ومن خلفه طهران، والجيش اللبناني مجرّد جهاز خفر حدود في نظرهم، والقضاء مهدد، والسياسيون إما خاضعون أو مغيبون، والمرافئ مشرعة للتهريب، والسيادة ممتهنة في وضح النهار. والأخطر أن الحزب قد احتكر التمثيل الشيعي، سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، وأي صوت شيعي مخالف يُخوّن أو يُقصى أو يُهدد، مما يجعل أي مواجهة وطنية معه تُصوّر زيفًا على أنها مواجهة مع الطائفة الشيعية الكريمة، في حين أن الحقيقة واضحة، حزب الله لا يمثّل الشيعة، بل يمثّل إيران، ويختبئ خلف الطائفة لتكريس مشروع لا يمتّ بصلة لمصالح اللبنانيين، إسلام ومسيحيين. اليوم، يقف لبنان في مفترق خطير. فهل يجوز الاستمرار في التعايش مع كيان مسلح خارج القانون، يقرّر مصير الوطن على هواه، ويُخضع مؤسساته، ويُصادر إرادة شعبه؟ لبنان لا يمكن أن يستمر كدولة طالما حزب الله بهذا الشكل، دويلة داخل الدولة، سلاح فوق الدولة، وقرار خارج الدولة. فالمعركة لم تعد على رئاسة أو على حكومة، بل على استعادة الدولة من خاطفيها. إننا نعلنها صراحة لبنان رهينة، والمحتل داخلي، والعدو الأول لمشروع الدولة هو سلاح حزب الله غير الشرعي. لا قيام لدولة بوجود ميليشيا تتفوق على الجيش، وتفرض الطائفية فوق الدستور، وتجعل السلاح أقدس من القانون لقد آن الأوان لقول الحقيقة بلا مواربة استعادة لبنان تبدأ من إسقاط هيمنة حزب الله، ونزع سلاحه، وتحرير الدولة من قبضة الفرض والإذعان والاحتلال المقنع. وإلى الوزير الإيراني نقول لبنان ليس ولاية إيرانية، وعليك أن تحترم سيادة الدولة وموقعها، وأي تواصل رسمي يكون مع الدولة اللبنانية لا مع فصيل مسلح يخطفها، فاحترم موقعك واحترم شعبنا. إن من يدّعي تحرير لبنان، هو نفسه من احتله. ومن يدّعي حمايته، هو من دمّره. ومن يدّعي الدفاع عن سيادته، هو من صادرها لحساب محور خارجي. اخيراً وليس آخرا، لقد قرّر وزراء الثنائي الشيعي الانسحاب من جلسة مجلس الوزراء، في خطوة يعتبرونها حق لإسقاط الميثاقية عن قرارات الحكومة لكن الحقيقة الساطعة تقول عكس ذلك تمامًا، الحقيقة أن الثنائي الشيعي هو من خرج عليها بإرادته لأن الميثاقية الوطنية لا تُختصر بمكون سياسي واحد، ولا تنبع من فئة تدّعي احتكار تمثيل طائفة بكاملها. الميثاقية هي احترام التعددية داخل كل طائفة أولًا، ومن ثمّ احترام التنوع الوطني الكامل. والحكومة اللبنانية، بحضور مكوناتها الدستورية وتمثيلها للطوائف اللبنانية كافة، بقيت ميثاقية وشرعية، رغم الانسحاب الظرفي لبعض أعضائها، أما السلوك غير الميثاقي الحقيقي، فهو أن يُقرر طرفٌ ما الانفصال عن الإجماع الوطني كلما تمّ الاقتراب من مسألة سيادية. أن ينسحب من النقاش، أن يهدد بالسلاح أو يعطّل مؤسسات الدولة تحت ذريعة الدفاع عن حقوق طائفته، بينما في الحقيقة يُدافع عن مشروع فئوي مسلّح يضع نفسه خارج الدولة، وخارج إرادة اللبنانيين الأحرار الميثاقية لا تعني الفيتو الطائفي، ولا تعني أن يفرض طرف رأيه على الجميع بالقوة أو بالتهديد، ما يمارسه الثنائي الشيعي اليوم هو خروج عن العقد الوطني، ونسف للتوازن، ورفض للشراكة الحقيقية والأخطر أنهم لا يخالفون مكوّنًا واحدًا، بل يقفون في وجه غالبية اللبنانيين الذين يطالبون بسيادة الدولة، وسلاحٍ واحد تحت راية الجيش، وقرارٍ وطني حر. لذا، فإن من غادر موقعه طوعًا لا يحق له اتهام الآخرين بخرق الميثاق. ومن وضع نفسه خارج الدولة، لا يمكنه الادّعاء بالحرص عليها. الميثاقية ليست ورقة يُلوَّح بها حين تهتز مصالح المشروع الميليشياوي، بل هي التزام عميق بالعيش المشترك، وبالدولة الجامعة، وبقرار واحد يُصنع من كل اللبنانيين، لا يُفرض عليهم من خارج الحدود. أيها اللبنانيون، لا تتركوا الوطن يُسرق من بين أيديكم، لا تسمحوا للحق أن يُدفن تحت سطوة السلاح، لا تصمتوا، فالصمت اليوم تواطؤ، المعركة لم تنتهِ، بل بدأت ولبنان باقٍ، والاحتلال إلى زوال.
جوزاف س. أمين | أخبار البلد