من النيل إلى الفرات بين النصوص التوراتية والكابالا

pic for akhbar albalad

أسطورة التوسع السياسي

في كل مرة تُثار فيها جملة “من الفرات إلى النيل أرضك يا إسرائيل”، تتصاعد الأسئلة حول أصل هذه العبارة وحدود حقيقتها، هل هي آية توراتية؟ هل تعبّر عن طموح سياسي؟ أم أنها مجرّد تأويل ديني ضُخّم في الصراع العربي–الإسرائيلي؟  الأكيد أن العبارة باتت إحدى أبرز الرموز المثيرة للجدل في الخطاب السياسي والديني، سواء داخل إسرائيل أو خارجها.

في نصوص العهد القديم، بين النهرين،

المرجع الأساس الذي تستند إليه هذه العبارة لا يظهر حرفيًا في النصوص التوراتية، لكن يمكن تتبّعه في عدد من المواضع التي تُجسّد ما يُعرف تقليديًا “بالوعد الإلهي” لأبرام مع ما يعرف عن الاسم بحسب الكابالا اي ان هذا الاسم -أبرام- يمثل المرحلة الأولى من الروحانية، حيث ما زال “أبرام” في رحلته الشخصية، دون أن يكون مرتبطاً برسالة كونية للبشرية، طاقته الروحية محصورة أكثر بالنفس والعائلة المباشرة أي البعد المادي. وخروج ابرام من أرض الرافدين يمثل الرحلة الإنسانية لتجسيد للوصول الى البعد المادي، أي انطلاقة الذات الإنسانية للوصول الى بعد النفس. عندما دخل “أبرام” في عهد مع الله، أُضيف له الحرف ה أي الهاء العربية، أصبح المعنى الظاهري، أب لجمهور من الأمم.

           الحرف ה في الكابالا يُمثل الأنوثة الإلهية، التجلي، والخلق وهو أحد أحرف اسم الرب بإضافة هذا الحرف، أصبح أبرام متصلاً بطاقة إلهية جديدة، واتسعت مهمته لتشمل العالم بأسره من منظور سفيروت الكابالا مستويات الوعي الإلهي، أصبح يتحرك من سفيرا غيفورا (الانضباط/العدل) إلى سفيرا حيسيد (الرحمة).

سفر التكوين الاصحاح الخامس عشر في الآية الثامنة عشرة كٌتبَ،

“في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقًا قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات.”

سفر الخروج الاصحاح الثالث والعشرون الآية الاحدى والثلاثون،

وأجعل تخومك من بحر سُوف إلى بحر فلسطين، ومن البرية إلى النهر. فاني ادفع الى ايديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك”

سفر يشوع الاصحاح الأول الآية الرابعة

” من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير، نهر الفرات…”

هكذا رسمت هذه النصوص حدودًا رمزية لأرض الميعاد، تمتد من ما يُسمى “نهر مصر” (الذي يرى البعض أنه النيل، وآخرون أنه وادٍ صغير في سيناء)، إلى الفرات، في شرق بلاد ما بين النهرين. لكن لم ترد عبارة “من النيل إلى الفرات” بصيغتها الشهيرة نصًا في العهد القديم. إنها باختصار تركيب حديث استُخلص من مجمل النصوص ذات الطابع التوسّعي، واتخذ لاحقًا بُعدًا سياسيًا في بعض الأدبيات الاسرائيلية وفي المقابل، أصبح شعارًا تعبويًا في الخطاب العربي المقاوم.

الكابالا الباطنية، قراءة روحية لا جغرافية.

بعيدًا عن المعنى الحرفي والجغرافي، تقدّم الكابالا – وهي التصوف اليهودي الباطني – فهمًا أعمق وأبعد لما تعنيه الحدود بين “نهر مصر” و “نهر الفرات”. في هذا السياق، لا يُنظر إلى النص التوراتي على أنه وعد بالأرض، بل كـ تشبيه رمزي لمسار النفس البشرية، وللعلاقة بين المادة والروح كما سبق وذكرت سابقاً

نهر مصر” الضيق والانفصال

في لغة الكابالا، تُشتق كلمة “مصر” (מצרים) من الجذر العبري “צר” (صار) الذي يعني الضيق أو الانحشار. وتُفهم “مصر” هنا كمجاز عن الوعي السفلي حيث يعيش الإنسان في عالم الغرائز والماديات، مقطوع الصلة عن مصدر النور الإلهي. هي حالة روحية من الانفصال والجمود، ترمز إلى السقوط في العبودية الداخلية، تمامًا كما كان بنو إسرائيل مستعبَدين في أرض فرعون – وهذا المعنى الباطني لأبرام.

نهر الفرات” النور والانفتاح

أما “نهر الفرات” في الكابالا، فيرتبط بمفهوم “النهر العظيم” الخارج من جنة عدن الروحية، ويرمز إلى فيض النور الإلهي (אור אין סוף) الذي يغذي النفس ويعيدها إلى أصلها المتّحد مع الذات الإلهية، الفرات، في هذا المعنى، ليس مجرد حدّ جغرافي بل هو ذروة الوعي الأعلى إذاً، من النيل إلى الفرات ترمز الى رحلة وعي او رحلة روحية فالحدود من “نهر مصر” إلى “نهر الفرات” هي في الواقع خريطة باطنية لمسار التزكية، من الظلمة إلى النور، من العبودية إلى الحرية، من التعلّق بالمادة إلى إدراك المعنى. هو مسار يشبه ما تسميه الكابالا بـتسليم الإرادة والعودة إلى الوحدة وأزيد قائلا: انها تعبير عن رحلة حج ما بين بعدين وانتقال من الضفة المادية إلى الضفة الروحية- كما شرحت المفهوم في كتاب الشيخ.

حيث تستعيد الروح صفاءها وتتصل بالمصدر الأول. وبهذا المعنى، فأرض الميعاد ليست مجرد إقليم مادي، بل حالة وعي روحي تسمو فيها النفس، وتتحرر من أسر الجسد والأنانية. وهذا ما يجعل تفسير الكابالا لهذه العبارة أكثر تعقيدًا وعمقًا من الفهم الظاهري. وهنا لا أعلم كم من الإسرائيليين او غير الإسرائيليين على اضطلاع على البعد الماورائي الروحي لمفهوم الكابالا. ويبقى السؤال المحيًر هل تبنتها إسرائيل رسميًا؟

رغم تداول العبارة كثيرًا، لا توجد وثيقة رسمية في الدولة العبرية أو قانون إسرائيلي يتبنّى شعار “من النيل إلى الفرات” كحدود وطنية. كما أن خرائط إسرائيل الرسمية لا تشمل سوى حدود ما بعد 1948 وما تلاها حتى العام 1967

لكن بعض التيارات الدينية – القومية المتشددة استخدمت هذه العبارة رمزيًا، خاصة في بدايات المشروع الصهيوني. وانتشر الادعاء بأنها كانت مطبوعة على عملة إسرائيلية أو ضمن شعارات رسمية، لكن لم يُثبت ذلك بوثائق رسمية قاطعة.

الاستخدام السياسي… وسلاح المضادّة

في العالم العربي، أصبحت العبارة اختزالًا لفكرة إسرائيل الكبرى، ودليلًا على النوايا التوسعية، وظهرت في أدبيات الخطاب القومي والإسلامي، وحتى في بعض المقررات المدرسية فلبعض الدول، كمثال على الخطر الوجودي الصهيوني. بالتالي، حتى لو لم تكن عبارة من النيل إلى الفرات جزءًا من عقيدة دولة إسرائيل، فإن سياق الحروب والعنف الإقليمي منذ عبد الناصر إلى الآن منحها معنى أوسع من مجرد آية توراتية. اخيرا وليس آخرا عبارة من النيل إلى الفرات تعيش بين ثلاثة عوالم. في العهد القديم، هي وعدٌ أرضي ذو طابع رمزي. في الكابالا، هي خريطة صوفية لمسار النفس من الانفصال إلى الاتصال، من العبودية إلى التحرّر. وفي السياسة الحديثة، هي شعار مشحون يُستخدم بين سرديتين متعارضتين: سردية الخلاص، وسردية الرفض. ويبقى السؤال: هل هي شعار سياسي توسعي، أم رمز روحاني أُقحم في السياسة عنوة؟ في كل الأحوال، لا يمكن فصل هذه العبارة عن السياق الأيديولوجي الذي يمنحها كل مرة، دلالة جديدة.

جوزاف س. أمين – أخبار البلد