أصدر الشاه رضا بهلوي في العام 1935، قرارًا تاريخيًا طلب فيه من الدول الغربية اعتماد اسم إيران بدلًا من فارس في التعاملات الرسمية والدبلوماسية، قد يبدو هذا القرار إداريًا في ظاهره، لكنه في العمق كان يحمل تحوّلاً استراتيجيًا في هوية الدولة، ومسارها التاريخي، وطموحها الإقليمي. منذ قرون، كان اسم فارس هو المعتمد في الغرب والعالم العربي للإشارة إلى الإمبراطوريات التي حكمت هذه البلاد، من الأخمينيين إلى الساسانيين، وصولًا إلى الدولة الصفوية. أما إيران، فكان اسمًا داخليًا يرتبط بجذر لغوي أعمق، يعود إلى “أرض الآريين”، في محاولة لربط الإيرانيين بتاريخ عرقي ثقافي سابق للفتح الإسلامي وهو العرق الآري.
لكن قرار رضا بهلوي لم يكن استعادة بريئة للتاريخ، بل كان جزءًا من مشروع قومي شامل يهدف إلى إعادة تعريف هوية إيران بعيدًا عن بعدها الإسلامي والعربي، لصالح هوية آرية حديثة متمركزة حول الدولة القومية. لقد أراد الشاه أن ينزع عن بلاده صورة الشرق المتأخر، والإمبراطورية الهرِمة، ويقدّمها كأمة حديثة توازي في طموحها ألمانيا وإيطاليا اللتين شهدتا صعودًا قوميًا مشابهًا آنذاك.
فكّ الارتباط مع العرب والإسلام السني، لم يكن من المصادفة أن يترافق هذا التحول مع تصاعد نبرة نقدية تجاه التاريخ الإسلامي، وخصوصًا تجاه الفتح العربي لفارس، الذي بدأ يُوصَف في الخطاب القومي الجديد بـالغزو. هذا التحول في السردية التاريخية كان بمثابة إعلان فكّ الارتباط الرمزي والثقافي مع العرب، ومع الميراث الإسلامي الذي جعل من فارس ركيزة في الحضارة الإسلامية، لا خصمًا لها، في المقابل، كانت المنطقة تشهد نهوضًا للحركة القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، بما حملته من روح وحدوية وتحررية أقلها في الظاهر. هنا بدأ الصدام بين مشروعين حتى ولو بالخفاء
مشروع قومي إيراني آريّ النزعة، مشروع قومي عربي وحدوي الهوى. فتفاقم هذا التوتر مع الخلافات حول تسمية الخليج (العربي أم الفارسي)، ومع تباين التموضع بين إيران الحليفة للغرب، والعالم العربي الغارق في معارك الاستقلال والتحرر.
بعد سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم تعد إيران إلى اسم “فارس”، بل حافظت على “إيران”، لكن مع قلب الهوية من قومية آرية، إلى ثورية شيعية إسلامية. ومع ذلك، استمر التناقض فالدولة التي تقول إنها إسلامية بدأت تستخدم الإسلام كغطاء للتوسع الإقليمي والتدخل في الشؤون العربية. الدولة التي تنتقد الغزو العربي القديم، ترسل جيوشًا وميليشيات إلى بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت تحت شعار حماية المستضعفين، لكن في الخفاء تبين وكأنه اعادة لصراع طائفي قديم سببه الخلافة الرابعة وتقديم الشيعية وكأنها هي صوت الإسلام الحق، في وجه القوة والقوى السنية الحالية، هذا التناقض أفقد إيران صدقيتها أمام العالم العربي، وزرع ريبة في نواياها، خصوصًا أن معظم تدخلاتها جرت في دول عربية تعاني من أزمات داخلية، فجاءت إيران لتقدّم نفسها كمنقذ، ثم سرعان ما تحوّلت إلى قوة وصاية وهيمنة. نعم، تغيّر الاسم، ومعه تغيّرت الدولة في الشكل والمضمون. من دولة فارسية منفتحة على الإسلام والعرب، إلى إيران قومية معزولة، فـإيران إسلامية متهمة بالتمدد الطائفي. لكن في الجوهر، بقي الثابت الوحيد هو السعي الإيراني الحثيث للعب دور مركزي في الشرق الأوسط، ولو على حساب سيادة الآخرين يبقى السؤال اليوم، بعد عقود على تغيير الاسم، هل تحتاج إيران إلى مراجعة اسمها؟ أم إلى مراجعة سلوكها؟