
إذا أردنا تصورًا واقعيًا لخطة اللبناني في حصر السلاح غير الشرعي في لبنان، فإن الأمر يتطلب تصورًا دقيقًا، مبنيًا على التعقيدات السياسية والأمنية والاجتماعية في البلد. لا يمكن الحديث عن خطة بسيطة أو تقنية فقط، بل عن مسار وطني شامل، لكنه مشروط بإرادة سياسية واضحة ودعم داخلي وخارجي. علينا تحديد الإطار السياسي للخطة ألا وهو صدور قرار رسمي من الحكومة اللبنانية يكلّف الجيش اللبناني بوضوح بوضع خطة تنفيذية لحصر السلاح بيد الدولة، وهذا ما حصل في الجلسة الأخيرة وتأمين الغطاء السياسي الكامل من كافة الأطراف اللبنانية أو الأكثرية النيابية، وفي حال لم يدعى المجلس النيابي لاجتماع فليصار الى امضاء عريضة نيابية ولتنشر في الاعلام حتى لا يتحول تنفيذ الخطة إلى فتنة أو صدام داخلي. تبدأ مراحل تنفيذ الخطة بالجرد الشامل للسلاح غير الشرعي، ووضع خارطة دقيقة بالمناطق التي تنتشر فيها الأسلحة غير الشرعية من الميليشيات، والجماعات المسلحة، أو المخيمات الفلسطينية الخ… وأيضا جمع معلومات استخباراتية دقيقة عبر مديرية المخابرات، وشعبة المعلومات، وأمن الدولة والأمن العام. بعدها تأتي مرحلة التفاوض والتفكيك السلمي وإطلاق حوار مع القوى السياسية التي تحتفظ بسلاح خارج الدولة وعلى رأسها حزب الله للوصول إلى تسويات مرحلية، مقابل ضمانات سيادية، ووضع إطار زمني واضح مثلاً 3 أشهر – 6 أشهر لتسليم السلاح الثقيل والمتوسط. انتشار الجيش وتعزيز الأمن المحلي في المناطق التي كانت خارج سلطة الدولة. وتسليم المراكز الأمنية التي كانت بحكم الأمر الواقع تابعة لفصائل أو ميليشيات. اللجوء الى تنفيذ عمليات أمنية نوعية وهي غير محببة. في حال رفض بعض الجهات تسليم السلاح، تنفيذ عمليات أمنية موضعية، سريعة، دقيقة، لتفكيك الخلايا أو مصادرة المستودعات، على غرار ما حدث مع تنظيمات إرهابية سابقة مثل فتح الإسلام وداعش في عرسال. فلبنان منذ عقود، يعيش حالة انقسام سيادي غير مسبوقة. فبينما تنص دساتيره وقوانينه على احتكار الدولة للسلاح الشرعي. يعيش الواقع اللبناني على وقع تناقض فاضح، جيش وطني مشرّع قانونًا، في مقابل سلاح ميليشياوي مشرّع سياسيًا. هذا السلاح، الذي انطلق ذات يوم تحت عنوان المقاومة، بات اليوم واحدًا من أبرز مصادر تفكك الدولة، وانقسام اللبنانيين، وتعطيل المؤسسات، وتحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. لم يعد السلاح غير الشرعي تفصيلًا هامشيًا في النقاش الوطني. إنه قلب المشكلة اللبنانية. وإن أي محاولة لبناء الدولة تبقى وهمًا سياسيًا طالما أن السلاح خارج سلطة الدولة، وطالما أن الجيش اللبناني ممنوع من القيام بدوره الكامل في حماية الوطن والمواطن. ما معنى حصر السلاح بيد الدولة؟ مصطلح حصر السلاح بيد الدولة ليس شعارًا فارغًا، بل يعني فيما يعنيه، أن تُحمَل بندقية واحدة على أرض لبنان وتكون بإمرة قيادة الجيش اللبناني. أن تنتهي كل مظاهر القوى المسلحة غير النظامية، من الجنوب الى البقاع، ومن المخيمات إلى الاحياء الحزبية الميليشياوية والغاء معادلة الجيش والشعب والمقاومة، وأي معادلة أخرى وتُستبدل بمعادلة واحدة الدولة فقط، لكن لماذا الآن؟ لأن السلاح غير الشرعي بات يُستخدم لترهيب الداخل لا لردع العدو، لأن هذا السلاح يعطّل قيام الدولة، ويمنع أي إصلاح إداري، قضائي، أو اقتصادي، لأن بقاءه يُستخدم ذريعة دائمة لتدخل الخارج في الشأن اللبناني. لأن الشعب اللبناني، بغالبيته الساحقة، فقد الثقة بكل من يحمل السلاح خارج الدولة، خصوصًا بعد أحداث الطيونة، بيروت، صيدا، وغيرها. ويجب على الدعم الدولي أن يكون شريكاً لا غطاءً، فُيطلب دعم الأمم المتحدة، لا من باب الوصاية، بل من باب تثبيت الشرعية عبر تفعيل القرار 1701 وجميع ملحقاته، والقرارات الدولية التي تدعم حصر السلاح بالدولة، ويطلب من الدول الصديقة عقَد مؤتمر دولي لدعم قدرات الجيش اللبناني لوجستيًا واستخباراتيًا. خلال كل ذلك من الممكن توقع عقبات كرفض حزب الله، الذي يرى في سلاحه جزءًا من الهوية الشيعية السياسية، ومخاوف من صدام أهلي إذا تم التعاطي مع الملف بطريقة انتقائية، هشاشة المؤسسات
الرسمية، وضعف القرار المركزي. لكن كل هذه العقبات ليست مبررًا للجمود، بل تحدٍ يُحتّم المواجهة السلمية المدروسة، لا التعايش مع التفكك، في خلاصة الامر إنه قرار لا بد منه الآن او غداً لأن السلاح غير الشرعي هو الخنجر المغروس في خاصرة لبنان فلا إصلاح اقتصادي، ولا استقلال سياسي، ولا قضاء نزيه، ولا علاقات عربية متينة، يمكن أن تنجح في ظل وجود دويلة تفرض هيبتها على الدولة، وتُعلّق الدستور كلما شاءت، ما من دولة تنهض إلا بقرار سيادي، ما من أمن يُبنى إلا بالأجهزة الشرعية، ما من مستقبل يُصنع إلا تحت راية الجيش اللبناني، لا تحت راية تنظيم مسلح، ولو رفع ألف شعار مقاومة. فحصر السلاح بيد الدولة ليس مشروعًا انتقاميًا ضد أحد، بل هو الخلاص الوحيد لكل اللبنانيين، لذلك فلنقلها بوضوح نحن أمام خيارين، لا ثالث لهما إما الدولة، أو الدويلة، إما سيادة تُصان ببندقية الجيش، أو فوضى تُدار بمنطق الغلبة والسلاح، إما لبنان الذي نحلم به أو الكارثة التي نعيشها.