لبنان والكرسي الرسولي

pic for akhbar albalad

تاريخ علاقة روحية وسياسية منذ مجمع نيقية حتى الحاضر

بمناسبة زيارة قداسة البابا الى ارض لبنان المقدسة في نهاية شهر تشرين الثاني من العام الحالي كان لا بد من عودة في الزمن الى وراء لاستذكار العلاقة التاريخية بين لبنان والكرسي الرسولي فمنذ فجر المسيحية على ضفاف المشرق، احتلّ لبنان موقعًا استثنائيًا في التاريخ الكنسي والروحي، فجباله كانت صوامع للنُسّاك والمتعبّدين، ووديانه تحوّلت إلى معاقل للّغة السريانية وللتراث المسيحي الشرقي. في هذه الجغرافيا الروحية الفريدة، تبلورت هوية مسيحية مشرقيّة متجذّرة في الأرض والطقس، ومفتوحة في الوقت نفسه على العالم المسيحي الواسع. ومنذ مجمع نيقية سنة 325م، مرورًا بمجمع خلقيدونية عام 451م، وصولًا إلى الحقبة المعاصرة، ظلّ لبنان في قلب علاقة استثنائية مع الكرسي الرسولي في روما، علاقة تداخل فيها الإيمان بالعقيدة، والسياسة بالهوية، والحماية بالرسالة اليوم، مع الزيارة المرتقبة للبابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، تُستعاد هذه العلاقة في بعدها التاريخي المتجدّد، كجسرٍ يربط الشرق بالغرب، وكحكاية وطنٍ صغيرٍ استطاع أن يفرض حضوره في ذاكرة الفاتيكان، وأن ينال من الامتيازات والرعاية والحماية الروحية ما لم تنله أي جماعة شرقية أخرى. بدأت علاقة لبنان المبكّرة بالكنيسة الجامعة منذ العصور الأولى للمسيحية، حين شارك الأساقفة الشرقيون في صياغة العقيدة المسيحية ضمن المجامع المسكونية الكبرى. ومع القرن الخامس الميلادي، برز الموارنة كتلامذة للقديس مارون على ضفاف نهر العاصي، وتميّزوا بتمسّكهم بتعاليم مجمع خلقيدونية (451م) الذي أقرّ العقيدة القائلة باتحاد الطبيعتين الإلهية والإنسانية في شخص المسيح. هذا الثبات العقائدي جعلهم أقرب فكريًا وإيمانيًا إلى الكنيسة الغربية، رغم أن التواصل التنظيمي مع روما انقطع قرونًا طويلة بسبب الفتوحات الإسلامية والانقسامات الجغرافية والسياسية التي عصفت بالمشرق. في تلك العصور، لم تكن روما تعرف الكثير عن الموارنة، غير أن هؤلاء الرهبان المتجذّرين في جبال لبنان حافظوا بإخلاص على طقوسهم السريانية وخصوصيتهم الشرقية. ومع زمن الحروب الصليبية في أواخر القرن الثاني عشر، أعيد اكتشاف الموارنة في الغرب، وتجددت الصلة الرسمية بينهم وبين الكرسي الرسولي. عندها ثُبّت الاتحاد العقائدي الكامل بينهم وبين الكنيسة الكاثوليكية، لتبدأ مرحلة جديدة من التفاعل الروحي والثقافي والسياسي.

في سياق تلك المرحلة، أرسل البابا إنوسنتيوس الثالث مبعوثين إلى لبنان لتثبيت الإيمان المشترك، ومنح البطريرك الماروني جبرائيل الحاج المعروف بجبرائيل الأول الحاج، رموز السلطة الكنسية الآتية من روما. هذه العلاقة لم تكن خاضعة لهيمنة لاتينية كما كان الحال في سائر مناطق الشرق، بل قامت على شراكةٍ في العقيدة والرسالة، مع احتفاظ الموارنة بليتورجيتهم السريانية وتقاليدهم المشرقية. رأى الفاتيكان في الموارنة آنذاك كنيسة الجبل التي صانت نقاوة الإيمان وسط العزلة والاضطهاد، فخصّهم بمعاملة مميّزة لم تُمنح لأي كنيسة شرقية أخرى. ومن هنا ولدت الامتيازات الكنسية التي كرّست الكنيسة المارونية جماعةً كاثوليكية شرقية مستقلّة في طقوسها، وموحّدة في العقيدة مع الكرسي الرسولي.

مع دخول لبنان في كنف الدولة العثمانية مارست تلك الدولة انتهاكات ضد الموارنة والبطاركة غالبا لم تكن بسبب التوجهات الدينية بل كانت تعبيرًا عن سياسة مركزية عثمانية هدفها كسر استقلالية الجبل اللبناني الماروني ومنع أي نفوذ للفاتيكان أو أوروبا الكاثوليكية في الشرق، اتخذت العلاقة بُعدًا جديدًا. فقد أصبحت حماية الكاثوليك المشرقيين من مسؤولية فرنسا، استنادًا إلى الامتيازات التي منحها السلطان سليمان القانوني للملك الفرنسي فرانسوا الأول سنة 1535. لم تكن هذه الحماية ذات طابع سياسي فحسب، بل اكتست بعدًا روحيًا، إذ اعتبرت فرنسا نفسها الابنة الكبرى للكنيسة، وصاحبة رسالة حضارية في حماية المؤمنين الشرقيين المتّحدين مع الفاتيكان. أما الفاتيكان، فدعم هذا الدور الفرنسي من خلال خطوات استراتيجية متدرّجة عزّزت حضور لبنان في الخريطة الكاثوليكية العالمية.

الكلية المارونية في روما ونهضة الفكر اللبناني

تُعدّ الكلية المارونية في روما من أهمّ المؤسسات التعليمية الكنسية في تاريخ الموارنة، ومن أبرز الجسور التي ربطت لبنان بالفاتيكان والعالم الكاثوليكي الغربي. تأسست هذه الكلية في سنة ألف وخمسمائة وأربع وثمانين بمرسوم من البابا غريغوريوس الثالث عشر، وجاء تأسيسها ثمرةً للعلاقات المتينة بين الكرسي الرسولي والكنيسة المارونية التي كانت قد ثبّتت اتحادها العقائدي الكامل مع روما منذ أواخر القرن الثاني عشر. كان الهدف من إنشاء الكلية إعداد نخبة من الإكليروس الماروني على مستوى علمي ولاهوتي رفيع، وتمكينهم من التعمّق في الفلسفة واللاهوت واللغات القديمة والحديثة، ليعودوا بعد ذلك إلى لبنان حاملين معارف تجمع بين التراث السرياني الشرقي وروح النهضة الأوروبية الحديثة. وقد لعبت الكلية دورًا جوهريًا في نهضة الفكر اللبناني والمشرقي، إذ تخرّج منها بطاركة وعلماء ومؤرخون ومترجمون أسهموا في تجديد الحياة الدينية والفكرية في جبل لبنان، وأسّسوا مدرسة فكرية مميزة مزجت بين الإيمان والعقل، بين الأصالة والانفتاح. كما ساهمت هذه الكلية في حفظ الهوية المارونية من الذوبان في الصراعات المشرقية، وجعلت من الموارنة عنصر توازن بين الشرق والغرب، فكانت بمثابة مختبرٍ للثقافة المشرقية المسيحية في قلب أوروبا. ومع مرور القرون، تحوّلت الكلية المارونية إلى مؤسسة روحية وعلمية ترمز إلى التحالف التاريخي بين لبنان والفاتيكان، وإلى إيمان الكنيسة المارونية بدورها الرسولي والفكري في محيطها العربي، فبقيت شاهداً حيّاً على عمق العلاقة بين روما وجبل لبنان، وعلى الدور الذي أدّاه العلم والإيمان معًا في بناء هوية لبنان الثقافية والروحية. تخرّج من الكلية عشرات الشخصيات التي أثّرت في التاريخ اللبناني والكنسي، منهم

البطريرك اسطفان الدويهي، مؤرخ الكنيسة المارونية، ومجدّد طقوسها، وواضع أول تاريخ لاهوتي شامل للموارنة. البطاركة يوسف الدرعي، جريس عميرة وإبراهيم الحاقلاني، الذين نقلوا العلوم واللغات الشرقية إلى الجامعات الأوروبية. فيليب السمعاني، جبرائيل الصهيوني الذين أسّسوا مدرسة الدراسات الشرقية في الفاتيكان، أضف عليهم جوزيف سمعان السمعاني الذي أنشأ مكتبة الفاتيكان الشرقية ووضع فهرس مخطوطاتها. هؤلاء العلماء اللبنانيين الموارنة جعلوا من الكلية المارونية منارةً للبحث العلمي واللاهوت المقارن، وأسّسوا عبرها ما يمكن وصفه بـالنهضة الشرقية في قلب روما. لم تقتصر امتيازات الفاتيكان على التعليم والتكوين، بل شملت أيضًا الإصلاح التنظيمي. ففي سينودس جبل لبنان عام 1736، الذي رعاه الكرسي الرسولي، وُضع أول نظام داخلي شامل للكنيسة المارونية: فتمّ تقسيم الأبرشيات، وتنظيم الرهبانيات، وضبط العلاقة بين البطريرك والأساقفة. وقد أقرّ الفاتيكان للبطريرك الماروني حق الإدارة شبه المستقلة، ما جعل الكنيسة المارونية من أكثر الكنائس الشرقية تنظيمًا وحرية، وأرسى نموذجًا فريدًا للتوازن بين الولاء العقائدي والاستقلال الذاتي.

منذ القرن السابع عشر، كان الفاتيكان ينظر إلى الموارنة كجسرٍ بين المسيحية الشرقية والغرب الكاثوليكي. هذا الوعي تجلّى في دعمٍ متزايد لهم خلال الأزمات، ولا سيّما بعد أحداث 1860 التي شهدت مجازر طائفية دامية بين الموارنة والدروز. تدخلت فرنسا، بدعمٍ معنوي من روما، لتفرض إنشاء متصرّفية جبل لبنان هكذا تحوّل الدعم الروحي إلى حماية دولية رسمية للبنان الجبلي كنظامٍ سياسيٍّ خاص يضمن حاكمًا مسيحيًا ومجلسًا متوازنًا بين الطوائف.

وقد أكّد البابا بيوس التاسع حينها أنّ لبنان هو الحديقة التي لا يجب أن تُترك للعواصف”، في إشارةٍ رمزية إلى مسؤولية الفاتيكان في الحفاظ على وجود المسيحيين في الشرق. ومع انهيار الدولة العثمانية، شارك الموارنة بفاعلية في المطالبة بإنشاء كيان لبناني مستقلّ بدعمٍ فرنسي، وهو ما تحقق عام 1920 مع إعلان دولة لبنان الكبير، في تلك اللحظة، كان الكرسي الرسولي يساند خيار الاستقلال الروحي والسياسي للبنان، بوصفه وطنًا للتنوّع الديني، ومركز إشعاع مسيحي في الشرق بعد الاستقلال أقرّ الميثاق الوطني توزيع السلطات على أساس التوازن الطائفي، فجُعلت رئاسة الجمهورية من نصيب الموارنة. ومع أنّ الفاتيكان لم يتدخّل في السياسة الداخلية، إلا أنه بارك هذا النظام الذي حفظ للمسيحيين موقعًا مركزيًا في الدولة اللبنانية الحديثة. منذ ذلك الحين، لم تتوقف العلاقة بين الفاتيكان ولبنان عن التطور. ولذلك نرى عدة امتيازات من الكرسي الرسولي يمكن تلخيصها في النقاط التالية، العقائدي وهو الاعتراف بالكنيسة المارونية ككنيسة كاثوليكية شرقية مستقلة في طقسها، مرتبطة مباشرةً بروما. التعليمي، إنشاء الكلية المارونية في روما عام 1584، وما تبعها من مدارس وإرساليات أسهمت في النهضة الثقافية اللبنانية. الإداري، منح البطريرك الماروني صلاحيات واسعة ضمن نظام كنسيّ خاص، دون خضوعٍ مباشر لأسقف أجنبي. السياسي، حماية الفرنسيين، باسم الفاتيكان، للمسيحيين اللبنانيين ضمن نظام المتصرّفية ثم ضمن دولة لبنان الكبير. الدبلوماسي، تمثيل لبنان رسميًا لدى الكرسي الرسولي منذ الاستقلال، وعلاقات دبلوماسية قائمة على الاحترام المتبادل والدعم في المحافل الدولية.

أما اليوم، ومع اشتداد الأزمات الاقتصادية والسياسية، يواصل الفاتيكان دوره الأخلاقي والدبلوماسي في الدفاع عن لبنان كوطنٍ للتعددية والحرية. تصريحات البابوات الأخيرة تكرّس هذا الدور، إذ دعا البابا فرنسيس في أكثر من مناسبة إلى حماية لبنان من الانهيار، واعتبر أن بقاءه ضرورة للسلام في الشرق الأوسط. أما زيارة البابا لاوون الرابع عشر المرتقبة، فهي لن مجرّد رحلة رعوية، بل حدث رمزي يعيد التأكيد على وحدة المصير بين الكرسي الرسولي ولبنان، وعلى مسؤولية العالم الكاثوليكي تجاه هذه الأرض التي حملت المسيحية في قلبها منذ ألفي عام. من مجمع نيقية إلى قصر بعبدا، ومن قنوبين إلى الفاتيكان، تمتدّ علاقة لبنان بالكرسي الرسولي كخيطٍ ذهبي يربط بين الأرض والسماء. إنها ليست علاقة مصلحة أو حماية سياسية فحسب، بل علاقة عهدٍ روحيٍّ متبادل في زمنٍ يعصف فيه التطرف والانقسام بالمنطقة، يظلّ لبنان نموذجًا للعيش المشترك، والفاتيكان شاهدًا أمينًا على هذه الرسالة فحين يزور البابا لبنان، لا يزور دولة، بل يزور رسالةً أبدية اسمها لبنان في زمنٍ عانى فيه المسيحي في الشرق، تبقى هذه العلاقة أنموذجًا لما يمكن أن تفعله الدبلوماسية الروحية حين تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصبح عهدًا بين جبلٍ مؤمنٍ وعرشٍ رسوليٍّ لا ينام

جوزاف س. أمين | أخبار البلد