العلمانية بين المفهوم والتطبيق في لبنان

pic for akhbar albalad

طالما شكّل التفاعل بين الدين والدولة ركيزة أساسية في تطور المجتمعات السياسية الحديثة. وقد ظهرت العلمانية كحاجة تاريخية وسياسية واجتماعية نتيجة لتراكمات طويلة من التجارب التي خاضتها الشعوب، خاصة في أوروبا، حيث لعب الدين دورًا مركزيًا في الحكم، وساهم في الكثير من الأحيان في الاستبداد، القمع، والحروب. وكان لذلك أسباب متعددة لكن السبب الجوهري وراء نشوء العلمانية هو رغبة الشعوب في تحرير السلطة السياسية من الهيمنة الدينية، وإرساء نظام يضمن الحقوق والحريات على أساس المواطنة لا العقيدة ونعدد بعض الاسباب

تداخل السلطة الدينية والسياسية

 في القرون الوسطى، خاصة في أوروبا، كانت الكنيسة تهيمن على الملوك والمجتمعات، وتتحكم في السياسات والقوانين وحتى في العلم. هذا التداخل أدى إلى كبت الحريات وتبرير الظلم باسم الدين.

الحروب الدينية

مثل حرب الثلاثين عامًا (1618–1648) بين الكاثوليك والبروتستانت، والتي أدت إلى دمار هائل وسفك دماء. دفعت هذه الكوارث الناس إلى التفكير في نظام سياسي لا يتأسس على الدين

صعود التنوير والعقلانية

المفكرون التنويريون (مثل فولتير، روسو، وكانط) دعوا إلى استخدام العقل بدلًا من الخضوع للسلطات الدينية طالبوا بفصل الدين عن الدولة لضمان حرية الفكر والضمير

حماية التعدد والتنوع

في المجتمعات المتنوعة دينيًا، أصبح من الضروري اعتماد نظام يساوي بين المواطنين جميعًا بغض النظر عن ديانتهم، لتجنب التمييز والاضطهاد

ضمان الحريات الفردية

العلمانية تضمن حرية الاعتقاد والعبادة أو عدمها، وتمنع فرض دين معين على الناس من قبل الدولة. غير أن العلمانية، التي أنجزت تحولات كبرى في الغرب، تواجه في مجتمعات مثل لبنان تحديات بنيوية وثقافية بالغة التعقيد. فما هي حقيقة العلمانية؟ وكيف نشأت؟ وما إمكانيات تطبيقها في لبنان في ظل واقع طائفي متجذر؟ في هذا السياق على المواطن اللبناني أن يفهم ويعي أن للعلمانية أوجه متعددة فهي لم تكن بدايةً حربًا على الدين، بل كانت رفضًا لاحتكار المؤسسات الدينية للسلطة السياسية والاقتصادية.

 العلمانية المعتدلة

  فصل الدين عن الدولة مع احترام الدين وحمايته كحق شخصي كما هو حال المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميريكية

  العلمانية الصلبة (الراديكالية)

 السعي إلى إخراج الدين من المجال العام كليًا كفرنسا ما بعد الثورة الفرنسية

العلمانية المعادية للدين

اعتبار الدين ظاهرة سلبية يجب القضاء عليها أو تهميشها كما هي الحال التي كانت  في الاتحاد السوفياتي ومن ما زال يسلك الأيديولوجية ذاتها. إذا من أهم الأسباب التي أدت الى ظهور العلمنة هو استبداد السلطات الدينية كما حصل في العصور الوسطى من قمع للفكر واضطهاد العلماء والمفكرين، لكن كان للتقدم العلمي دافع لاحترام العقل والتجربة بدلاً من الايمان الاعمى لذلك رغبة الناس للحصول الحقوق والقوانين الوضعية، لا الفتاوى أو الإملاءات الكنسية. اذاً بشكل عام وكما لكافة الأمور إيجابيات وسلبيات كذلك الامر كان للعلمانية ايضاً. فمن الإيجابيات تحقيق المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الديني، حماية حرية المعتقد الديني واللاديني وتجنب استخدام الدين كوسيلة للهيمنة السياسية وتشجيع دولة القانون والمؤسسات أما السلبيات فنرى أن في بعض الأحيان أصبحت العلمانية أداة لقمع الدين والممارسات الدينية واحتمال إساءة فهم العلمانية كوجه للإلحاد او العداء للدين وخطر تفريغ الهوية الوطنية من مكوناتها الروحية والثقافية والفلسفية.

بعد كل ما ذكر ما هي إمكانية تطبيق العلمنة في لبنان؟

إنه دولة قائمة على “الميثاقية الوطنية” والطائفية السياسية، حيث تتمثل الطوائف في السلطة دستورياً (رئيس جمهورية ماروني، رئيس مجلس وزراء سني، رئيس مجلس نواب شيعي… إلخ) هنا تكمن صعوبة التخلي عن المكتسبات، فالتداخل بين الهوية الدينية والطائفية والمصالح السياسية إحدى أهم العوائق في تطبيق العلمنة، والتاريخ كان جلياً فشئنا أم أبينا هناك خوف يتربص بالطوائف خوفا من السيطرة التامة لطائفة على أخرى كما حصل منذ العام 1975 حتى الآن مما أدى الى تزايد فشل النظام الطائفي في إدارة الدولة وتحقيق العدالة، كون البلد ليس له رأسا واحدا بل ساده حكم الترويكا المغلف بالطائفية لكنه كان ميالاُ أكثر نحو المصالح الشخصية منه لمصلحة الطائفة وللأسف أتباع هؤلاء كانوا الغطاء للفساد. ماذا نريد كأنموذج؟ نريد الدولة المدنية كحل وسط، لا تهاجم الدين – ولا أقصد رجال الدين –  ولكن تفصل الدين عن القرارات السياسية العامة، والعمل على الغاء الطائفية السياسية من النفوس كي يتحول الولاء من ولاء  للطائفة الى ولاء للوطن ونبذ كل علاقة تقوم بين الأحزاب مع أية دولة خارجية دون المرور بالمؤسسات الوطنية الشرعية. فما هو موقف الأحزاب من العلمنة كون العمل الحزبي هو عمل جماعي منظم حتى ولو شابه في بعض الأحيان بعض السلبيات كالولاء المطلق لرئيس الحزب دون المرور بأي محاسبة. لقد كان لي بعض الاحاديث الداخلية  مع حزب حراس الأرز فيما يخص نظرتهم الى العلمانية بشكل عام، حزب حراس الأرز من التنظيمات السياسية القومية اللبنانية التي حملت منذ تأسيسها رؤية وطنية واضحة تدعو إلى تجاوز الانقسامات الطائفية، وتثبيت الهوية اللبنانية القومية فوق كل الانتماءات الدينية والمذهبية، لذلك، كان للحزب موقف صريح ومتماسك من العلمنة، يربطه جوهريًا بمشروع بناء دولة مدنية حديثة قائمة على مفهوم المواطنة الصرفة.

العلمنة جزء أساسي من مشروع بناء الدولة الحديثة فهي مطلبًا شكليًا أو إجرائيًا، بل ضرورة وجودية لبقاء لبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه ففي أدبيات الحزب الطائفية السياسية مرفوضة لأنها تشرذم المجتمع، وتؤسس لدولة المزارع والدويلات والدين محترم كمعتقد شخصي وروحي، لكن لا يجب أن يتداخل  في إدارة شؤون الدولة، العلمنة هي السبيل لضمان المساواة بين جميع اللبنانيين بعيداً عن الماصصات التي أرهقت الوطن والمواطن على حد سواء، ومما قاله أبو أرز في هذا الخصوص كان واضحا للعامة كما للخاصة من الرفاق في الحزب.

لا يمكن بناء وطن موحد على قواعد طائفية متناحرة… العلمنة الحقيقية تحرر المواطن وتعيد للدولة هيبتها.”

أن تكون لبنانيًا أولاً، يعني أن تنتمي إلى أرض وشعب وتاريخ، لا إلى طائفة”

 فالعلمانية وفق حزب حراس الأرز لا تعني محاربة الدين، بل تحييده عن المجال السياسي، مع الحفاظ على حرية المعتقد كحق مقدس وعلى الدولة معاملة جميع المواطنين كأفراد متساوين أمام القانون، لا كأعضاء في طوائف والأهم من ذلك قانون الأحوال الشخصية فبحسب الحزب يجب ان يخضع لقانون مدني موحد، مع إعطاء الحرية لمن يرغب بالاحتكام إلى مرجعيته الدينية ضمن خيارات شخصية لا إلزامية. بذلك تقام دولة مدنية علمانية ديموقراطية تقوم على القوانين الوضعية لا على النصوص الدينية.

يدرك حزب حراس الأرز أن العلمنة في لبنان لا يمكن أن تتحقق دفعة واحدة بسبب البنية الطائفية العميقة في النظام والمجتمع، ولذلك يقترح خطة عملية متدرجة تقوم على مراحل مدروسة، لضمان الانتقال السلمي إلى الدولة المدنية العلمانية.

أولاً الإعتراف بالهوية الوطنية الجامعة والإنطلاق من تعريف واضح للمواطن فهو فرد ينتمي الى الأرض اللبنانية وليس الى طائفة او مذهب وترسيخ الانتماء الوطني من خلال المناهج التعليمية، الإعلام، الثقافة العامة والأهم من  ذلك إعادة قراءة التاريخ اللبناني بعيدا عن الروايات المغلوطة والهدف خلق قاعدة ثقافية وشعبية تتقبل فكرة المواطنة العلمانية .

ثانيًا إلغاء الطائفية السياسية تدريجيًا من النصوص الدستورية (كما نص اتفاق الطائف ولكن لم يُنفّذ)

 وإقرار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية إلى جانب القوانين الطائفية، مع إعطاء المواطنين حق الاختيار، تمهيدًا لجعل القانون المدني هو القاعدة لاحقًا

وإلغاء توزيع المناصب العليا وفق الطوائف، واستبدالها بالكفاءة والاستحقاق الوطني، والسؤال هنا علينا تفسير وتوضيح معنى الاستحقاق الوطني.

أخيراً وليس آ خرا إن التوجه نحو الدولة العلمانية ليس ترفًا فكريًا أو مجرد خيار من بين خيارات، بل هو ضرورة وطنية وأخلاقية لضمان بقاء الدولة واستقرارها. ففي ظل التعددية الدينية والمذهبية التي تميّز مجتمعاتنا، تصبح العلمانية الإطار الوحيد القادر على تأمين العدالة والمساواة بين المواطنين دون تمييز أو امتياز، وعلى تحييد الدين عن الصراعات السياسية التي غالبًا ما تُستغل لإذكاء الفتن والانقسامات. الدولة العلمانية لا تعني الإلحاد أو معاداة الدين، بل تعني احترام الأديان جميعها وضمان حرية المعتقد في كنف قانون مدني جامع. وهي السبيل لبناء دولة مؤسسات، يحكمها العقل والقانون لا الغرائز والانتماءات الضيقة. إن إرساء دولة علمانية حديثة هو حجر الأساس لمجتمع منتج، عادل، متماسك، تسوده المواطنة لا الطائفية، وتُحكم فيه الكفاءات لا الولاءات

جوزاف س. أمين | أخبار البلد