من اتفاق القاهرة إلى تفكك الدولة

في تاريخ الأوطان لحظات مفصلية تُحدث تحولًا جذريًا في بنيتها، أحيانًا نحو التقدّم، وغالبًا – في حالات الدول الضعيفة – نحو التفكك والانهيار. بالنسبة للبنان، كان اتفاق القاهرة عام 1969 إحدى هذه اللحظات الفارقة، التي أطلقت دينامية طويلة من التنازلات عن السيادة، وفتحت الباب أمام النموذج اللبناني الراهن: دولة قائمة شكليًا، منهارة فعليًا، تتحكم فيها قوى متفلّتة تنطق باسم قضايا كبرى، وتُخضع الشعب لأجندات تتجاوز حدود الوطن.

أولًا: ملامح ما قبل اتفاق القاهرة

قبل اتفاق القاهرة، ورغم هشاشة البنية السياسية التي قامت على المحاصصة الطائفية والوصاية الاقتصادية، احتفظ لبنان بحدّ أدنى من مقوّمات الدولة. كانت الدولة، نظريًا وعمليًا، الممثل الوحيد للشعب اللبناني والدفاع المشروع على أراضيها. لم تكن مثالية، ولا عادلة دومًا، ولكنها كانت الإطار الوحيد الناظم للحياة العامة. لكن بدءًا من منتصف الستينيات، ومع تصاعد التوترات في المخيمات الفلسطينية، وازدياد العمليات العسكرية المنطلقة من الجنوب اللبناني، واحتدام النزاعات الإقليمية، بدأت الدولة اللبنانية تتعرض لضغوطات داخلية وخارجية جعلتها عاجزة عن فرض سيادتها. وقد بلغ هذا العجز ذروته مع توقيع اتفاق القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة اللبنانية برعاية مصرية، والذي شرعن العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، وبهذا، تمّ لأول مرة في التاريخ الحديث، تفويض جماعة مسلّحة غير لبنانية بحق امتلاك السلاح والقيام بأعمال قتالية انطلاقًا من أراضي لبنان

ثانيًا: نتائج الاتفاق ومبدأ الدولة المنقوصة

كان لهذا الاتفاق أثرٌ كارثي على المدى البعيد

تفكيك السيادة: إذ لم تعد الدولة صاحبة القرار الأمني الوحيد

تعدد الشرعيات: ظهر ما يمكن تسميته “بالشرعية الموازية”، التي تستمد مشروعيتها من قضية كبرى (فلسطين آنذاك)، وليس من الدستور اللبناني

تصاعد الاحتقان الداخلي: فبدأ الداخل اللبناني يُقَسَّم بين مؤيدين ومعارضين، وتحوّلت المخيمات إلى قواعد عسكرية خارجة عن السيطرة

كل هذا مهّد الطريق إلى الحرب الأهلية، وإلى دخول لاعبين إقليميين ودوليين، وتحول لبنان من دولة إلى ساحة صراع.

هنا لا بد من التذكير أن موقف حزب حراس الأرز كان واضحا،

أ- رفض مبدئي للاتفاق،

رأى الحزب أن الاتفاق شرعن وجودًا عسكريًا أجنبيًا على الأراضي اللبنانية

اعتبره خرقًا للسيادة الوطنية وتشريعًا لحالة دولة داخل الدولة

ب- اعتبار الاتفاق مقدّمة للانفجار اللبناني

ج- تبنّي خطاب سيادي بامتياز، فدعا الحزب إلى إلغاء الاتفاق بالقوة، وإخراج كافة القوى المسلحة غير اللبنانية من البلاد، بمن فيهم الفلسطينيون، وتجسيد الرفض بالمواجهة. لأن الاتفاق يعتبر تنازلًا خطيرًا عن السيادة اللبنانية، وتهديدًا مباشرًا للأمن الوطني، خصوصًا من خلال السماح للمسلحين الفلسطينيين باستخدام الأراضي اللبنانية كمنصة للقيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل

ثالثًا: التوازي المقلق مع الحاضر

اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا على اتفاق القاهرة، يعيش لبنان حالة مماثلة – ولكن أكثر تعقيدًا – من حيث الواقع السيادي. فقد استبدلت منظمة التحرير بمنظومات جديدة تحمل شعارات مختلفة ولكن تستند إلى المنطق نفسه،

الحق في تجاوز الدولة باسم مقاومة، أو تمثيل طائفة، أو الدفاع عن التوازن الداخلي

الدولة اليوم عاجزة عن بسط سلطتها على أراضيها

هناك سلاح خارج الشرعية، يمارس القرار العسكري والاستراتيجي المستقل

الحدود مشرّعة أمام تدخلات أجنبية، وساحات تُستخدم لتصفية صراعات الآخرين

القوانين تُعطَّل باسم الوفاق، والمحاسبة تُلغى باسم الاستقرار

إننا أمام نسخة محدثة من اتفاق القاهرة، ولكنها أكثر تطبيعًا مع الناس، وأكثر رسوخًا داخل المؤسسات، إذ تحوّلت الازدواجية إلى نظام قائم، لا استثناء مؤقت

رابعًا: كلفة التساهل

كل تساهل مع منطق السلاح خارج الدولة، أو مع ازدواجية القرار، أو مع الخصوصيات الطائفية المتضخمة، يحمل كلفة باهظة

تفكيك الثقة بالدولة، وتحول الناس إلى الولاءات المذهبية أو الزبائنية

شلل مؤسساتي دائم، بسبب خضوع القرار السيادي لمعادلات توازن قوى خارجة عن القانون

انسداد أفق الإصلاح الحقيقي، لأن لا إصلاح ممكنًا دون حصرية القرار الأمني والاقتصادي والقضائي في يد الدولة

خضوع لبنان الدائم لوصايات خارجية، بسبب هشاشة بنيته الداخلية

خامسًا: نحو مفهوم جديد للدولة

إن الخروج من هذه الدوامة لا يمكن أن يتم من داخل المنظومة التي تكرّس التساهل والتواطؤ، بل من خلال إعادة بناء الدولة على أسس واضحة

لا سلاح خارج الشرعية، تحت أي ذريعة

لا مشروع أيديولوجي فوق الوطن، أيًا كان مصدره

المحاسبة فوق المصالحة الشكلية، فلا عفو دون اعتراف بالخطأ وتحقيق العدالة

الهوية الوطنية فوق الطائفية، في النص والممارسة

خلاصة الأمر أن لبنان لا ينهار فقط بسبب الحصار الخارجي أو العقوبات أو سوء الإدارة، بل ينهار لأن أساسه السيادي تم تقويضه منذ عقود. من اتفاق القاهرة إلى يومنا هذا، دفع اللبنانيون ثمن كل لحظة تواطؤ، وكل تساهل مع منطق القوة خارج القانون، لقد آن الأوان لإغلاق هذا القوس التاريخي. فالتسامح مع الفوضى ليس حكمة، بل انتحار مؤجل