في زمن الانهيار والضياع والتداخل في الولاءات، قد يبدو الحديث عن “القضية اللبنانية” ترفًا أو شعارًا مستهلكًا. لكن بالنسبة لنا، كقوميين لبنانيين سياديين، تبقى هذه القضية هي نقطة الانطلاق والختام. هي البوصلة، وهي المعركة الأم، وما سواها تفاصيل تُقاس بميزان العقل والمصلحة الوطنية، لبنان هو الأساس، لا كخلفية خطابية بل كخيار وجودي بالنسبة لنا. أنا قومي لبناني، لا لأنني أرفض التضامن مع قضايا الشعوب، بل لأنني أعيش في وطن ينزف، وشعب يختنق، ومؤسسات تتآكل. ما نفع أن أرفع شعارات العالم وأنا عاجز عن رفع وطن من تحت الركام؟ ما جدوى أن أصرخ من أجل العدالة في الخارج، وأنا لا أملك العدالة في بيتي؟ القضية اللبنانية ليست مجرد شأن داخلي، بل هي قضية حرية، سيادة، كرامة، وهوية، تبدأ من رفض الوصاية والاحتلال والارتهان، وتنتهي بقيامة الدولة الفعلية لا الوهمية. فحين ننتهي من إنقاذ بيتنا، نختار القضايا الأخرى. أنا لا أتنكّر للقضايا العادلة في العالم العربي أو في أي مكان آخر. ولكنني أرفض أن تُستَخدم هذه القضايا لتقسيم الداخل اللبناني، أو لتبرير سلاح غير شرعي، أو لفرض اصطفافات لا تمثّل وجدان الناس. لا يمكن أن يُطلب من اللبناني أن يضع قضية خارجية في صدارة أولوياته، بينما تُنهب دولته من الداخل، وتُقايض سيادته في الخارج. حين تصبح الدولة اللبنانية قادرة، سيّدة، عادلة، ومصغية إلى شعبها، حين نستعيد وحدتنا الوطنية حول القضايا الداخلية الكبرى، عندها وفقط عندها يمكننا أن نتبنّى قضايا أخرى، شرط أن تكون محل إجماع وطني، لا مادة خلاف وانقسام لا لقضايا “الاستيراد” على حساب الوطن. لقد تعب لبنان من أن يكون ساحةً لصراعات الآخرين، أو ممرًا لقضيتهم. كثيرون جلبوا لنا حروبهم، وتركونا نتدمر وحدنا. كثيرون طالبونا أن نموت من أجلهم، ولم يسألوا عنا حين مِتنا. كفى. لسنا مكبّ مشاعر مستأجرة. لسنا صوتًا إضافيًا في ماكينات سياسية خارجية. لبنان ليس “أرض تبرّع” بالمجان. أرضنا لنا، وقرارنا لنا، وسلاحنا يجب أن يكون بيد الدولة فقط.
نحن لا نتخلى عن الحق، لكننا نبدأ من حقّنا، نعم، فلسطين لها قضيتها. نعم، سوريا مدمّرة بفعل نظامها الدموي السابق. نعم، العراق واليمن يعانيان. لكن لبنان أيضًا ضحية. ضحية صفقات الآخرين، وحروب الآخرين، وسلاح الآخرين، وصراعات لم نخترها. أولويتنا اليوم أن ننقذ هذا البلد من الذوبان، من التبعية، من الخضوع، من الانفجار الاجتماعي الذي يهدد كل ما تبقّى من وجودنا اخيرا وليس آخرا، سيادتي ليست تعصبًا… بل مسؤولية، أنا كقومي لبناني سيادتي ليست بالخطابات فقط، بل بالفعل. أرفض كل وصاية. أرفض كل سلاح غير شرعي. أرفض كل تدخل في شؤوننا. وأضع القضية اللبنانية فوق كل اعتبار حين نبلغ لحظة الدولة الواحدة، الجيش الواحد، القانون الواحد، والوطن الذي لا يُسرق باسمه شيء، عندها أفتح قلبي لكل قضية عادلة، ضمن شرطين: أن تكون جامعة، وألا تكون على حساب وطني، سيادتي ليست خيارًا سياسيًا، بل خيار وجوديا، ولن أعتذر عن حبّي للبنان