لبنان ذو وجه عربي ولبنان عربي، جدلية الهوية والانتماء بين الخصوصية والتماهي

يشكّل موضوع الهوية في لبنان حجر الزاوية في النقاش السياسي والثقافي منذ تأسيس الكيان اللبناني الحديث. ولعلّ التباين بين عبارتي لبنان ذو وجه عربي ولبنان عربي ليس مجرّد جدل لغوي، بل يمثل انعكاسًا لصراع بنيوي بين مشروعين، أحدهما يرى في لبنان كيانًا فريدًا متعدد الوجهات، وآخر يسعى إلى إدماجه ضمن هوية عربية قومية جامعة

أولًا: الإطار التاريخي والسياسي للنقاش

تعود عبارة لبنان ذو وجه عربي إلى الميثاق الوطني لعام 1943، حيث حاولت أن تعكس صيغة توافقية بين هويّتين واحدة ذات امتداد مسيحي غربي، وأخرى ذات امتداد عربي إسلامي

أما عبارة لبنان عربي، فقد ترسخت في مرحلة لاحقة مع وثيقة الوفاق الوطني (الطائف – 1989)، لتُدرَج في مقدمة الدستور، في سياق تسوية داخلية، إقليمية بعد الحرب.

في حين أن الوجه العربي يعكس انفتاحًا اختياريًا واعترافًا بتعدد الوجوه، فإن الهوية العربية تمثل تموضعًا قطعيًا في فضاء قومي محدد. وهذا الانتقال من التوصيف الانفتاحي إلى التحديد الهوياتي يشير إلى تغيرٍ في ميزان القوى الداخلي، وتحوّل في تصور الدولة لنفسها

ثانيًا: البعد الفكري والثقافي

لبنان كجسر حضاري ذو وجه عربي، يربط هذا الطرح عروبة لبنان بالثقافة واللغة لا بالقومية السياسية. أبرز من دافع عن هذه الرؤية ميشال شيحا اعتبر أن لبنان كيان رسالي، لا يندرج في الهويات القومية، بل يشكل فسحة لقاء بين الشرق والغرب.

جورج قرم، حذّر من اختزال هوية لبنان بالعروبة السياسية، معتبرًا أن التعدد جزء جوهري من شخصيته التاريخية.

أما أنطوان مسرّه فقد أكّد على أهمية التعددية كمصدر شرعية للكيان اللبناني، لا كعبء طائفي.

أما عبارة لبنان جزء من الأمة العربية، يرى هذا الفريق أن عروبته تمثل جوهر هويته ولا يمكن التشكيك فيها، ومن أبرز ممثلي هذا التيار جوزف سماحة الذي اعتبر أن أي فصل بين لبنان والعالم العربي هو انتحار سياسي وثقافي

ثالثًا: تداعيات المفهومين على الدولة والمجتمع

تبين الفروقات الجوهرية التي نراها تنعكس على الأجيال اللبنانية الحديثة أسئلة عديدة، منها سؤال المستقبل ألا هو هل يمكن للبنان أن يصوغ هوية متوازنة تدمج وجهه العربي دون أن تذيب خصوصيته التاريخية؟

إن العودة إلى خيار لبنان ذو وجه عربي، لا بوصفه تراجعًا عن العروبة، بل تكريسًا له كامتداد ثقافي لا سياسي، قد تشكل ركيزة لصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على التنوع والتكامل لا الانصهار القسري يبقى لبنان، بتاريخ صراعاته وغناه الثقافي، حالة استثنائية في العالم العربي. ولا يمكن حسم جدلية الهوية بشعارٍ واحد. إن لبنان ذو وجه عربي ولبنان عربي ليسا عبارتين متكافئتين لغويًا، بل تمثلان رؤيتين لهوية الدولة وموقعها من العالم. الخيار لا ينبغي أن يكون بين انتماء وعزلة، بل بين انفتاح متعدّد الأوجه وهوية مرنة قادرة على الصمود في زمن التشظي على المستوى الشخصي، ارى ان العبارتين لا تعطيا لبنان حقه وحق رسالته، إذا أن لبنان ذو شرعية مستمدة من التاريخ، وعلاقات الدول مبنية على مصالح مشتركة وتطلعات حضارية مشتركة، حين نقول ان لبنان عربي، هل هو مثل السعودية او مثل مصر، او سورية، او العراق او اليمن او الإمارات او جزر القمر او الاردن او عمان؟ هل لبنان عربي بالانتماء الجغرافي؟ او السياسي؟ او الفكري، او الديني الخ، لبنان ليس كل ذلك، لبنان هو لبنان، فريد من نوعه، رسالة حضارية بين الأمم.  لذلك اقول: الأمة اللبنانية