بين بقاء النظام الايراني وزوال دولة اسرائيل

pic for akhbar albalad

في ظل التصعيد بين إسرائيل وإيران، يلوح في الأفق سؤال مصيري، ماذا يعني الانتصار أو الهزيمة بالنسبة لكل طرف؟

على عكس الكثير من النزاعات التقليدية، لا تدور هذه المواجهة حول الأرض أو النفوذ فحسب، بل تتعلق بعمق بالبقاء الوجودي لكل طرف، فخسارة إيران تعني على الأرجح سقوط النظام، بينما خسارة إسرائيل تعني زوال الدولة بحد ذاتها، إيران ليست فقط دولة قومية بل نظام ثيوقراطي قائم على مبدأ “ولاية الفقيه” التي تمثل جوهر شرعيته. الصراع الخارجي بالنسبة لهذا النظام هو امتداد مباشر لخطابه الداخلي، وأداة لتعزيز شرعيته أمام شعبه. في هذا السياق، ترتكز بنية النظام الإيراني على التماهي بين العقيدة والسيادة، فالانسحاب من الصراع أو الهزيمة الكاملة يُفهم داخليًا كفشل الرسالة أي ضربة قاصمة قد تفتح الباب أمام اضطرابات داخلية، تفكك المؤسسة الأمنية، وربما انهيار شامل للنظام السياسي. إسرائيل، تأسست في سياق تاريخي كملاذ قومي للشعب اليهودي، وتحمل في بنيتها إحساسًا دائمًا بالخطر الوجودي وما يميزها، صغر المساحة الجغرافية فيجعل أي تهديد استراتيجي خطرًا على بقاء الدولة برمتها، المجتمع الإسرائيلي مبني على تعبئة شاملة ومستمرة حول فكرة الدفاع عن الذات. خسارة حرب شاملة قد تُفهم داخليًا وخارجيًا كفشل للوظيفة التاريخية للدولة، وتؤدي إلى موجة انهيار ثقة، وهجرة معاكسة، وربما تفكك الكيان.

سيناريوهات مختلفة

لو شنت إسرائيل هجومًا استباقيًا على المنشآت النووية الإيرانية لضرب البنية التحتية العسكرية والنووية لإيران باستخدام تفوقها الجوي والتكنولوجي فترد إيران مباشرة بضرب مدن ومنشآت داخل إسرائيل، بما تملكه من صواريخ متوسطة وطويلة المدى، فأغلب الظن ستكون هذه الحرب اشبه باستنزاف وقد تتحول إلى نزاع شبه وجودي مفتوح، تصعب السيطرة عليه. في حال لم تستطع إيران الرد بشكل مؤثر، أو إذا تسببت الحرب بدمار داخلي واسع، فإن النظام سيواجه أزمة شرعية غير مسبوقة قد تؤدي إلى تفكك سلطاته. وإن قامت إيران بهجوم مباشر على إسرائيل هجوما صاروخيا مباشر على تل أبيب والمدن الأخرى أو البنية النووية الإسرائيلية حينها سيُفهم كإعلان حرب شاملة. الرد الإسرائيلي سيكون حاسمًا وسريعًا، وربما يشمل ضربات نووية تكتيكية أو شلل للبنية الإيرانية. أما في حال تعرضت إسرائيل لخسائر كارثية تمنعها من الدفاع عن حدودها ومواطنيها، فإنها قد تواجه أزمة ثقة تؤدي إلى انهيار العقد الاجتماعي الذي يربط بين الدولة ومواطنيها فالدولة التي وُلدت بوعد الحماية قد تنهار إذا عجزت عن الوفاء بذلك. سيحاول المجتمع الدولي تجنب انهيار أي من الطرفين، ولكن في حال اندلاع نزاع شامل فلن تكون هناك قدرة فعلية على احتوائه، أمريكا وأوروبا تميلان إلى ضمان أمن إسرائيل، لكن تورطًا مباشرًا في حرب شاملة مع إيران محفوف بالتعقيدات، روسيا والصين لا تريدان إسقاط إيران، لكنهما قد لا يتدخلان عسكريًا أيضًا. هذه المواقف، وإن كانت مؤثرة، لن تمنع التصعيد إن وصلت المعركة إلى نقطة اللاعودة.

الرهانات الوجودية

معنى هزيمة إيران هو سقوط النظام الديني الحاكم، تفكك البنية الثورية، احتمالية ثورة داخلية أو انقلاب. أما بالنسبة لانهيار المشروع الصهيوني فسيكون فقدان الثقة بالقدرة على الحماية، وربما تفكك الدولة وهجرة معاكسة. إنها ليست حربًا عادية، بل صراع بحدود القيامة. إذا اشتعلت حرب شاملة بين إيران وإسرائيل، فإن العالم لن يقف عند نتائج سياسية أو اقتصادية، بل سيواجه خطرًا فعليًا على بنية الشرق الأوسط وعلى فكرة الدولة نفسها في المنطقة. فالسؤال الحقيقي ليس من سيخرج منتصرًا؟ بل هل يمكن النجاة أصلاً من حرب كهذه؟ وكيف؟؟؟؟

 الارتدادات على الدول العربية

الحرب المباشرة بين إسرائيل وإيران لن تبقى محصورة بين الطرفين، بل ستُحدث هزات عميقة في المشهد العربي، انطلاقًا من الجغرافيا، وتشابك المصالح، والانقسامات السياسية بين الأنظمة والشعوب دول الخليج العربي بين النار والرماد النووي

السعودية، الإمارات، قطر، البحرين، والكويت ستجد نفسها في قلب العاصفة، ليس فقط جغرافيًا، بل أيضًا اقتصاديًا واستراتيجيًا، إيران قد تستهدف منشآت نفطية أو موانئ في الخليج إذا شعرت أن هذه الدول تدعم إسرائيل او اميركا، حتى لو لوجستيًا أو استخباراتيًا. الأسواق ستشهد اضطرابًا غير مسبوق، مع انهيار أسعار النفط أو ارتفاعها جنونيًا بحسب مسار الحرب القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج قد تتحول إلى أهداف مباشرة. هذه الدول ستكون أمام خيار وجودي إما الحياد الكامل، أو الانخراط غير المباشر الذي قد يكلّفها باهظًا. العراق وسوريا ساحة ارتدادات عسكرية وفوضى فإنهما كدولتين فستتأثر مباشرة نظراً لكونهما ممرات استراتيجية. احتمال تسلل ضربات عبر أراضيهما أو استهداف قواعد أجنبية أو مراكز حكومية. ضعف الدولة المركزية في كلا البلدين يجعل أي تصعيد قابلاً للتحول إلى فوضى داخلية جديدة أو إعادة اشتعال بؤر الإرهاب. أما بالنسبة الى الأردن ومصر فالخوف من الانهيار الإقليمي وارد. فالأردن سيتأثر أمنيًا بشكل مباشر نظرًا لموقعه الحدودي مع إسرائيل. أي فوضى في إسرائيل قد تؤدي إلى نزوح سكاني، اختراقات أمنية، أو انهيار التنسيق العسكري مصر، رغم بعدها الجغرافي، لن تبقى على الحياد في حال تصاعد النزاع، خصوصًا إذا أثّر على الأمن في سيناء أو قناة السويس.

لبنان صمت ثقيل في عين العاصفة

رغم إبعاد الفاعلين غير الدوليين عن التحليل، فإن لبنان كدولة قد يتأثر بالعزل الاقتصادي، أو الخوف من تحول أراضيه إلى منطقة عبور أو ضغط دولي. غياب الدولة المركزية القوية يعني أن أي ارتداد سيعمّق أزمته الداخلية.

 التأثير الاستراتيجي بعيد المدى

إذا انهار النظام الإيراني ستعيد الدول العربية النظر في موازين القوى الإقليمية، وقد تبرز السعودية كقطب أكبر، أما

إذا انهارت إسرائيل ستدخل المنطقة في مرحلة اضطراب شامل، حيث قد تنهار الاتفاقيات الأمنية والتطبيع، وتعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة بزخم غير مسبوق. في الحالتين، سيتم إعادة رسم التحالفات الإقليمية: وربما ولادة نظام شرق أوسطي جديد لا يشبه ما سبق.

الدول العربية، شاءت أم أبت، لن تكون مجرد مشاهد في هذه الحرب. البعض سيُستدرج، والبعض سيُبتز، والبعض قد يُعاد تشكيله بالكامل، إن وقعت الحرب، فستكون أشبه بـزلزال جيواستراتيجي ستتصدع معه خرائط النفوذ والهويات السياسية، وربما يظهر شرق أوسط جديد لكن على أنقاض النظامين القديمين، العربي والإيراني معًا. فهل بدأ رسم الشرق الأوسط الجديد؟