السياسيون والمرض النفسي

في عالم السياسة، لا يمكن فصل النفس البشرية عن القرار السياسي، ولا عزل العقد الشخصية عن السياسات العامة. فكثيرًا ما نجد أن الأزمات الوطنية لا تنتج فقط عن الحسابات الجيوسياسية أو الظروف الاقتصادية، بل عن اختلالات في عقول من يُفترض أنهم قادة مسؤولون. ومن هنا، يصبح من الضروري تسليط الضوء على بعض النماذج النفسية المريضة التي تتسلل إلى دهاليز الحكم وتتحول إلى كوارث وطنية. السياسي النرجسي، حين تتحول الأنا الى دستور، هذا النوع من السياسيين يرى نفسه مركز الكون، لا يتحمل النقد، ولا يعترف بالخطأ، ويغلف قراراته دائمًا بشعارات المصلحة العامة، في حين أن كل ما يريده هو التمجيد والتصفيق، إنه يسعى دائمًا إلى البقاء في الواجهة، حتى لو كلفه ذلك بيع الوطن أو قمع الشعب، تراه يتحدث بصيغة أنا من أنقذت البلد، ولولاي لما وُجد الأمن، وكأن الوطن عجز عن الإنجاب إلا هو. الخطير في هذا النموذج أنه لا يدمر فقط الحياة السياسية، بل يُربّي حوله طبقة من المُطَبّلين تُحوّل الدولة إلى مسرح للولاء الأعمى.

المهووس بالتآمر الحكم بالخوف، هذا السياسي لا يرى فيمن حوله إلا متآمرين، ولا يثق بأحد، ويعيش في دوامة من الشك والريبة. يتخيل أن الجميع يريدون إسقاطه، حتى أقرب حلفائه. وهذا يدفعه إلى ممارسة القمع تحت شعار الأمن القومي، وتطويع القضاء، وزرع الأجهزة الأمنية في كل ركن المواطن في عرفه إما تابع مطيع، أو خائن مأجور. لا وجود للمعارضة الشريفة، ولا مكان للرأي الآخر. والأسوء من ذلك، أن هذا السياسي لا يسقط بسهولة، لأنه ببساطة يُحكم بجهاز مخابراتي يخلق الأعداء من العدم، ويصنع الأزمات ليبرر وجوده.

المتلذذ بالدمار السادي بثوب الدولة، هنا نصل إلى أخطر النماذج، السياسي السادي، الذي يجد متعة في إذلال الناس، ويدمن الفوضى، ويزدهر في الكوارث. هو ذاك الذي لا يتحرك إلا حين يرى شعبه يتألم، ولا يشعر بالقوة إلا عندما يرى خصومه يسقطون أو يُسجنون أو يُشهر بهم إعلاميًا. يتقن خنق الفرح، ويُجيد هندسة الفقر، ويُبدع في تعميم اليأس. بل يذهب أبعد من ذلك، إذ يسعى لاختلاق الفتن بين فئات الشعب، لتستمر معاناتهم، ويظل هو الحَكَم وسط الخراب. المؤسف أن هذه النماذج ليست نادرة، بل منتشرة في أنظمة عديدة، خاصة في دول تعاني من ضعف المؤسسات وغياب المساءلة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من واجب الشعوب ألا تنخدع بالخطابات والشعارات، بل أن تسأل دائمًا، من هذا السياسي نفسيًا؟ هل يقودنا بضمير حي؟ أم هو أسير مرضه، يلبسه قناع الزعامة ليغطي على عقده الدفينة؟ السياسة ليست مستشفى أمراض نفسية، ومن يدير شؤون الناس يجب أن يكون سليمًا في عقله، رحيمًا في قلبه، صادقًا مع ضميره، وإلا فإن الوطن سيدفع الثمن غاليًا جدًا