
تسريبات عن ضم أجزاء من لبنان الى سوريا
في خضم الجدل المتصاعد حول تصريحات بعض الأطراف التي تلمّح إلى إمكانية ضمّ مناطق من لبنان الى سوريا تحت ذريعة أن تلك المناطق كانت تاريخيًا جزءًا مما يُعرف بـبلاد الشام، لا بدّ من التوقّف أمام هذه السردية، التي تتلاعب بالوقائع وتحاول تبرير أطماع سياسية معاصرة بلباس تاريخي زائف. السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه، هل كانت بلاد الشام يومًا ما دولة ذات سيادة؟ هل يُمكن اعتماد هذا المفهوم أساسًا قانونيًا أو أخلاقيًا للمطالبة بتغيير حدود الكيانات الحديثة؟ أولًا، بلاد الشام لم تكن دولة، بل إقليم ضمن سلطات خارجية، من الناحية التاريخية الدقيقة، فإن بلاد الشام لم تكن يومًا كيانًا سياسيًا مستقلًا أو دولة ذات سيادة وحدود معترف بها، بل كانت دائمًا إقليمًا واسعًا تنقّل بين حكم الفراعنة، الآشوريين، الفرس، الإغريق، الرومان، العرب، العباسيين، الأيوبيين، المماليك، وأخيرًا العثمانيين. في الحقبة العثمانية، وهي الفترة الأقرب زمنيًا الينا، قبل نشوء الدول في هذا الشرق، كانت بلاد الشام موزّعة على ولايات عثمانية متعددة وهي: دمشق، بيروت، حلب، القدس، سنجق القدس، سنجق جبل لبنان ذو خصوصية مستقلة وسنجق الإسكندرية الذي ضم لاحقا الى تركيا. هذه الولايات كانت تخضع مباشرة للباب العالي في إسطنبول، ولم يكن بينها كيان سياسي موحد يحمل اسم دولة بلاد الشام. في عام 1920ظهرت محاولة يتيمة لتوحيد بلاد الشام سياسيًا تحت عنوان المملكة السورية العربية بقيادة الملك فيصل بن الحسين، لكن هذه التجربة لم تعمّر سوى أشهر قبل أن تسقطها فرنسا بالقوة وتُنفّذ اتفاقية سايكس بيكو التي كرّست التقسيم بين لبنان وسوريا وفلسطين وشرق الأردن، أي أن ما يسوّقه البعض اليوم على أنه عودة إلى بلاد الشام هو في الحقيقة محاولة اختزال سياسي ودجل إعلامي لكيان لم يكن موجودًا أصلاً بصيغته السيادية المستقلة، بل كان دوماً خاضعًا لقوى خارجية كما ذكرنا آنفا، سواء كانت إسلامية أو أجنبية. إن استدعاء مفهوم بلاد الشام كتبرير لضم أراضٍ لبنانية هو استغلال انتقائي وخطير للتاريخ، يشبه تمامًا ما فعله اليهود حين ادّعوا أحقية في أرض الميعاد، فالتاريخ ليس خريطة عقارية تُجزّأ وتُرسم حسب الرغبة بل هو سياق معقّد يتضمن تبادلات حضارية، لا أسسًا قانونية للضم والاقتطاع فإذا أراد أصحاب هذه الطروحات الرجوع إلى التاريخ، فليعلموا التالي:
أ- طرابلس كانت عاصمة ولاية مستقلة ضمن السلطنة العثمانية.
ب- جبل لبنان تمتع بنظام حكم ذاتي خاص منذ القرن التاسع عشر.
ج- بيروت كانت مركزًا تجاريًا عالميًا مستقلًا إداريًا.
د- سوريا نفسها لم تكن دولة واحدة إلا بعد قيام دولة الاستقلال في الأربعينيات.
لبنان اليوم ليس جزءًا مقتطعاً من بلاد الشام كما يزعم البعض، بل هو كيان سياسي نشأ من خصوصيات تاريخية، ديمغرافية، وثقافية متراكمة، أبرزها تجربة جبل لبنان، وخصوصية الساحل اللبناني، وتعدد النسيج الطائفي والاجتماعي الذي لا مثيل له في دول المنطقة. بل إن لبنان، في لحظات معينة من تاريخه، كان أكثر انفتاحًا واستقلالًا وازدهارًا من كل المنطقة، وكان ملاذًا للأحرار والمثقفين والنهضويين من سوريا ومصر والعراق. إذا أراد البعض العودة إلى مفهوم بلاد الشام فعليهم أولًا الاعتراف بأن هذا المفهوم لم يكن يومًا دولة، ولا يحق لأحد أن يبني على كيان غير موجود في الأصل ليُشرّع أطماعًا توسعية أو ضم أراضٍ من دول مجاورة. لبنان ليس جزءًا من جغرافيا وهمية، بل دولة قائمة بحدود معترف بها دوليًا، وعضو في الأمم المتحدة، وكل كلام عن إعادة ضمه إلى بلاد الشام هو نسف للشرعية الدولية، ومحاولة لفرض منطق القوة على حساب منطق السيادة، وأي مس بالجغرافيا الناتجة عن سايكس بيكو سيكون له ترددات وخيمة ليس على لبنان فقط بل على خريطة الشرق الأوسط كاملا،. إذا كان البعض يدعي ان لبنان لم يعد ممسوكا من قواه الشرعية فليراجعوا التاريخ جيدا لمعرفة الاسباب، من وضع لبنان تحت القبضة السورية بعد اجتياح العراق للكويت؟ أليست سوريا الأسد من مدت حزب الله بالسلاح ورفض تسليم سلاحه كباقي الاحزاب، أليس بموافقة سوريا الأسد المدعومة من الغرب من نكلت بالداخل اللبناني؟ أليست سوريا الأسد التي مكنت الأجهزة المخابراتية المشتركة من نشر الفوضى والاغتيالات؟ واليوم عادت ذات القوة بمسميات اخرى لتضع لبنان تحت قبضة سورية اخرى، ألم تتعلم تلك القوة لو صدقت الأخبار المتداولة ان الخطأ الذي ارتكبوه بعد الطائف أوصل لبنان إلى فوضى واليوم إذا ساروا في نفس الطريق سيكون الخطأ أسوء من السابق بكثير لأن الفوضى ستعم منطقة الشرق الأوسط كلها.