
لبنان، ليس وجبة سريعة في كيس ورقي، فيا سادة العالم، يا من تتجمعون حول خرائط المنطقة كما تتحلّق الغربان حول فريسة متفسّخة، اسمحوا لي أنا القومي اللبناني أن أوضح أمرًا بسيطًا، للعقال وليس للجهال، أن لبنان، ليس وجبة سريعة في مطاعم مصالحكم الدولية يقدم جزء منه للجائع ويأخذ بقية الوجبة زادا للعشاء، ولا يُقدَّم مع مشروب بارد وابتسامة مزيّفة، تخفي وجها قبيحا جائعا لا يشبع. لبنان ليس سندويشًا يا رسامو الخرائط البائدة يلف في ورقة شفافة ليُسكت بها فجعانا سياسيا أو مرتزقا إقليميا أوجدوه في غرفة مظلمة تحت سلم المصالح الدولية. لبنان، لمن لم يذق طعمه جيدًا، هو مزيج من الفلفل الحار، والمر والشوك البري والجثث المرمية في مزابل التاريخ المزروع على الصخور المعمرة منذ بدء الحضارة. من حاول أن يبتلعه خنقته أشواك أرزه، ومن تجرّأ على هضمه، سالت دماء أطماعه على موائد خيبته. هذا البلد، الذي تحاول بعض الحكومات التعامل معه كما لو كان سلعة منتهية الصلاحية في متجر جيوسياسي، هو في الحقيقة سمّ في حلق المغتصب، وبخور في يد من يفهم معناه. لبنان ليس ساحة يتبارز فيها السماسرة الدوليون بنظريات الأمن والسلام، ثم يعودون إلى عواصمهم ليحتفلوا بتوقيع الخراب. بل هو قلب وطن نابض برسالة وحضارة. لبنان يا سادة، ليس مشروعًا للتذوّق الدولي، بل امتحان للوعي، ومرآة تفضح كل من يحاول دسّ السم في خبز الشعوب. فإن كنتم جائعين، اذهبوا إلى مطاعمكم، أما لبنان، فاتركوه لمن يعرف أن فيه طعم التاريخ، ونكهة الشهداء، ورائحة البخور الممتزج بعرق الناجين من موتٍ لا ينتهي.