منطق الهيمنة

pic for akhbar albalad

في الوقت الذي يُناقش فيه مجلس الوزراء بنداً مصيرياً يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، يطلّ علينا الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله من عليائه، ليعطينا درسًا في كيفية صياغة الشراكة بمنطق الهيمنة لا الدولة، وكيف يصبح التنسيق بين فصيل مسلح والدولة مدعاة فخر، بدل أن يكون فضيحة سيادية. اعتبر قاسم أن اتفاق وقف إطلاق النار شكّل تعاونًا راقيا بين المقاومة والدولة، حيث سهّلت المقاومة للدولة كل الإجراءات، من دون تأجيل. العبارة بحد ذاتها تُسقِط مفهوم الدولة، فهي هنا، ليست صاحبة القرار، بل مُيسّرة من طرف حزبي. ليست مُبادرِة، بل مُنتظِرة الضوء الأخضر من فصيل مسلح. هذا الخطاب يُكرّس معادلة، الدولة كأداة تابعة للمقاومة، لا العكس. المقاومة لم تُسلّم القرار للدولة، بل منحته لها موقتًا لتُسهِّل لها المهمة، ثم تعود لتمسك بمفاتيح الحرب والسلم. أما الأدهى، فهو التباهي بأن إسرائيل ندمت على الاتفاق لأنه يعطي الحزب القدرة على الاستمرار بقوته. أي أن الحزب يعتبر أن نتيجة الاتفاق لم تكن تهدئة أو مصلحة لبنانية عامة، بل فرصة لتثبيت سلاحه وتعزيز نفوذه، كأن لبنان كله مجرد ساحة لتعزيز أوراقه في ميزان الصراع الإقليمي.  حين يصل الحديث إلى الموفد الأميركي، توماس براك، يصبح الخطاب أكثر ارتباكًا. قاسم يسخر من مطلب تفكيك 50% من قدرة الحزب خلال 30 يومًا، بما يشمل حتى القنابل اليدوية وقذائف الهاون، ويقول إنهم لا يعلمون مستوانا ليُحددوا هذه النسبة. ولكن ما لا يقوله قاسم هو الأخطر، لماذا لا أحد يعلم؟ ببساطة، لأن هذا السلاح خارج سلطة الدولة، خارج الرقابة، خارج الدستور، ومأمور من الخارج، فهل المطلوب أن تبقى الدولة في الظلام، ولا يحق حتى لممثليها أن يسألوا عن حجم القوة العسكرية التي تحكم مصير لبنان؟ ثم يختتم قاسم خطابه بتهديد مباشر، إذا شنت إسرائيل حربًا أوسع، سنقصفها بالصواريخ. من حيث الشكل، يبدو وكأنه يحمي الوطن، لكن من حيث المضمون، يُذكّرنا مرة جديدة أن قرار الحرب والسلم لا يزال حكرًا عليه، لا على الدولة. فمَن يقرر الرد؟ ومتى؟ وبأي كلفة؟ ومن يدفع الثمن؟ المواطن اللبناني وحده من يدفع ثمن عنترياتهم. هذا الخطاب في مضمونه وتوقيته يُشكّل إهانة متكررة لمبدأ الدولة، ويُلغي مبدأ حصرية السلاح، ويستكمل تكريس نظام موازٍ، يُمسك بخيوط الأمن والسياسة والمصير. أي نقاش داخل مجلس الوزراء عن “حصرية السلاح” في ظل هذا الواقع، يصبح عبثيًا، إن لم يُرفَق بموقف واضح لا دولة بظل سلاح خارج شرعيتها، ولا إصلاح سياسي أو اقتصادي بوجود قرار أمني مستقل عن مؤسساتها. آن الأوان لقولها بصراحة، ما يُطرح على اللبنانيين ليس خيار المقاومة أو الاحتلال، بل خيار الدولة أو الفوضى المقنّعة بسلاح الممانعة. وأي حكومة، أو مجلس وزراء، يناقش حصرية السلاح دون أن يواجه هذا الخطاب، هو شريك في طمس ما تبقّى من فكرة الدولة.