
أود اليوم أن أخاطب كل اللبنانيين بصدقٍ كما ألفت أن أفعل، وأردت أن التحدث بلغة قريبة إلى القلب والعقل. أريد أن أتساءل وأفكر بصوتٍ عالٍ، لعل للصوت أن يصل. لكل حرب نهاية، فمتى تنتهي حربنا في لبنان؟ لا وجود لحرب بلا هدف؛ فلكل صراع سبب وغاية. إما أن نصل إلى تلك الغايات ونعلن أننا انتصرنا، أو نخسر ونعود لجلوس العقلاء لمحاسبة أنفسهم، لماذا خسرنا؟ هل أخطأنا؟ وما الذي يجب أن تغييره؟ ما لا يقبله العقل هو الاستمرار في حالة حرب دائمة بلا نهاية، وألا يقدر أحد أن يفسّر لشعبه سبب استمرارها. في كل أنحاء العالم، حتى أعظم الدول، تُحدَّد الحروب بقرارٍ يبدأ وتنتهي به. أما في لبنان، فلا نعرف من قرَّر، ولا ما الهدف، ولا الخطة، ولا متى ينتهي هذا الكابوس، من الذي يقرر نيابةً عن الشعب اللبناني أن تبقى الحرب مستمرة؟ ومن يراقب ويحاسب ليعرف إن كانت الحرب تحقق شيئًا؟ إذا كانت الحرب من أجل الأرض، فأين الدولة؟ أين الجيش؟ لماذا لا تُسلَّم هذه المهمة إلى مؤسساتنا الرسمية كما في الدول المحترمة؟ وإذا كانت الحرب من أجل الكرامة، فكرامتنا ليست محصورة في السلاح وحده، بل في أن نعيش بسلام، نعمل، نربي أولادنا ونبني مستقبلنا. الجميع يعرف أن المواجهة مع إسرائيل لم تبدأ من فراغ؛ فهناك مشكلة تاريخية مع الشعب الفلسطيني، ونحن دخلنا في هذه القصة. ولو استطعنا إعادة ترتيب موازين القوى ربما نبرر الأمر، لكن من يبين لنا ماذا قدم هؤلاء الممانعون منذ بداية القضية الفلسطينية؟ هم يخسرون أكثر في كل مرة، ألم يسأل أحد نفسه لماذا؟ لهؤلاء الممانعين في لبنان الحق في المقاومة، لكن المقاومة المسلحة يجب أن تكون من الشعب كله، لا أن تحتكرها فئة طائفية أو مالية أو عسكرية. لبنان ليس مزرعة، بل دولة وشعبها منهك، ودماؤنا ليست ورقة ضغط في جيب أحد. إذا كانت إيران مستعدة لتمويل حرب شاملة ضد إسرائيل فليعلنوا هم الحرب رسمياً ويدعموا القضية الفلسطينية بصراحة كونهم لاعباً إقليمياً، فأن تُخفي دولة كبرى نفسها وراء فئة معينة في لبنان وتسمح بمعاناة الناس باسم مصالحها فهذا أمر مخزٍ. إن كانت لديها نية أو غاية فلتظهرها، بدلاً من أن نتحسس آثارها بعد فوات الأوان. ونحن، الشعب المذعور، لا نزال نعتقد أن نهايتنا قريبة وكأن العالم بدأ ويوم القيامة اقترب بسبب سلاحٍ مستورد لقضيةٍ لا نجد لها نهاية. السؤال الكبير، من الذي سيخبرنا نحن المواطنون، الأهالي، الشباب، الطلاب، المعذّبون متى تنتهي هذه الحرب؟ أم أننا محكوم علينا بالموت ليس لأننا خسرنا أو ربحنا، بل لأن لا أحد يقول: إنها انتهت؟ كفى هذا العبث لقد استغلت إيران مصالحها، فليعمل من يملك السلاح والمال والمكانة لمصلحة لبنان لا لمصالح خارجية.
هنا تكمن فداحة الأمر، فالمشكلة ليست وجود سلاح خارج إطار الدولة فقط، بل التهاون الرسمي المتعمد الذي جعل من هذا السلاح واقعاً يوميّاً لا يعترضه ولا يواجهه أحد. حكومةٌ تتقاعس عن تطبيق القانون، مؤسساتٌ مهمشة تُحوّل حقوقَ المواطنين إلى مزاياٍ لطرفٍ دون آخر، ومؤسسة الدولة التي يفترض أن تكون الضامنة لكرامة الناس وأمنهم صامتة أو عاجزة. هذا التراخي لا يبرّر المقاومة ولا يحمي القضية، بل يضيع سيادة الوطن ويجعل المواطنين رهائنَ لقراراتٍ ليست باسمهم. إن بسط سلطة الدولة ليس نزعة سلطوية بل واجبٌ دستوري وإنساني، قانون واحد، محاسبة واحدة، عدالة للجميع. على المسؤولين أن يختاروا إما أن يقِفوا في صف الدولة وشعبها، أو أن يتوقفوا عن تبرير فشلهم بتغطية مصالحٍ خارجية وأوهامٍ استراتيجية. كفى تسويفا،ً استردّوا الدولة قبل أن تفقد البلاد مستقبلها، استردوها.