
بين حرية النقد وحدود التجريم
في المجتمعات الديمقراطية، يُعدّ النقد السياسي ركيزة أساسية من ركائز الرقابة الشعبية على أداء الحاكمين، وأحد أبرز تجليات حرية الرأي والتعبير التي نصّت عليها المواثيق الدولية، لا سيّما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 19) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. ومع ذلك، لا يزال في مجتمعاتنا خلطٌ خطير بين النقد البنّاء والتطاول على الساسة أو رموز الدولة، ما يفتح الباب واسعاً أمام إساءة استخدام القانون لتكميم الأفواه وتقييد الفكر.
أولاً: المفهوم القانوني والسياسي للتطاول
من حيث اللغة، التطاول يعني التجرؤ أو التجاوز في القول والفعل. لكن من حيث التحليل السياسي والقانوني، فإن هذا المفهوم لا يمكن أن يُفهم خارج سياق الحق في الرقابة والمساءلة. فالمواطن الذي ينتقد أداء وزير أو نائب أو زعيم سياسي لا يتطاول، بل يمارس حقه الدستوري في المساءلة.
أما التجريم فيجب أن يُحصر في الأفعال التي تتضمن القذف أو التشهير أو التحريض على العنف، لا في مجرد التعبير عن رأي مخالف أو طرح تساؤل مشروع حول نزاهة أو كفاءة مسؤول عام.
ثانياً: هل انتقاد الساسة هو تطاول؟
الجواب القانوني والسياسي الواضح هو كلا بالطبع. السياسي، بحكم موقعه العام، يتنازل طوعاً عن جزء من خصوصيته وحصانته المعنوية بمجرد دخوله العمل العام. فهو خاضع للرأي العام والمحاسبة والنقد. إنّ اعتبار أي انتقاد للحاكم أو الوزير أو الزعيم تطاولاً هو إلغاء جوهر الديمقراطية وتحويل المسؤول إلى صنمٍ فوق المساءلة. فالتاريخ السياسي الحديث يُظهر أنّ أعظم الأمم تقدّمت لأنّ شعوبها كانت تملك الجرأة على محاسبة حكّامها، لا على تقديسهم، كالذي جرى مع الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي.
ثالثاً: هل النقد البنّاء لأي شخصية هو تطاول؟
النقد البنّاء ليس فقط حقاً، بل واجباً وطنياً وأخلاقياً. فالنقد، إذا التزم بالوقائع والأسس الموضوعية، يسهم في تصويب المسار العام ويحمي الدولة من الانحدار نحو الاستبداد.
القانون لا يُعاقب الرأي، بل يُعاقب سوء النية في استخدام الرأي، أي حين يُستعمل الكلام لتشويه السمعة بغير دليل. أما النقد الموجه بلغة مسؤولة، فهو ممارسة سياسية راقية تندرج ضمن مفهوم المشاركة في الشأن العام.
رابعاً: هل يوجد أشخاص منزهون عن الانتقاد؟
في المفهوم الحديث للدولة، لا أحد فوق النقد. لا رئيس، ولا وزير، ولا نائب، ولا زعيم حزبي.
فالتنزيه عن الانتقاد هو فكرة سلطانية لا مكان لها في نظام جمهوري أو ديمقراطي. الحصانة القانونية محددة حصراً بالدستور، وهي إجرائية لا أخلاقية، أي أنها لا تعني العصمة من المساءلة الفكرية أو السياسية.
خامساً: دعوة إلى السلطة القضائية
إننا ندعو السلطة القضائية، بوصفها الضامن الأول للحريات العامة وحرية الرأي والتعبير، إلى إعادة النظر في مفهوم التطاول حين يُستخدم كذريعة لقمع النقد السياسي.
ينبغي التمييز بين النقد المشروع وبين الإهانة المقصودة، وبين المساءلة والمساس بالكرامة. فالقضاء هو من يوازن بين حق الفرد في التعبير وحق المسؤول في الحماية من التشهير، دون أن يتحول إلى أداة بيد السلطة السياسية لتصفية المعارضين أو المفكرين.
أخيرا وليس آخرا، إنّ الخلط بين النقد والتطاول هو أحد أمراض الحياة السياسية المحلية والعربية، يُستخدم لتخويف الأقلام الحرة وإخضاع الرأي العام.
النقد البنّاء هو مظهر من مظاهر المواطنة الصالحة، لا جريمة تستوجب العقاب.
ولذلك، فإن القضاء العادل والمستقل هو وحده الكفيل برسم الحدود الدقيقة بين حرية التعبير وجريمة التطاول، حمايةً لكرامة الدولة من جهة، وصوناً لكرامة الفكر من جهة أخرى.
جوزاف س. أمين | أخبار البلد