
في سنوات ما قبل الحرب وخلالها، ارتكبت بعض الفصائل الفلسطينية أخطاء جسيمة بحق السيادة اللبنانية والمدنيين، فاستباحت مناطق، ونصبت حواجز، وشاركت في معارك لا علاقة لها بالصراع مع العدو الإسرائيلي. هذه الممارسات، التي شملت اعتقالات عشوائية وانتهاكات، تمت أحيانًا بغطاء أو شراكة من قوى يسارية لبنانية رأت في السلاح الفلسطيني أداة لتقويض المارونية السياسية التي كانت تمسك بمفاصل السلطة. لكن في اندفاعها لإسقاط المارونية السياسية وقعت تلك القوى في فخ استبدال وصاية بأخرى، متناسية أن النضال من أجل العدالة لا يُبنى على خرق السيادة أو التغاضي عن التجاوزات
إذا أردنا الغوص في دور اليسار اللبناني خلال الحرب اللبنانية، خصوصًا في السنوات التي سبقتها، يكشف عن مرحلة معقّدة من التفاعل الأيديولوجي والسياسي، حيث اختلطت المبادئ الثورية بالنزاعات الطائفية، وتداخلت النضالات التحررية بالقضايا الداخلية، ما أدى إلى خيارات مصيرية بعضها شجاع، وبعضها كارثي. اليسار اللبناني، في مقدمته الحركة الوطنية اللبنانية، رأى في دعم القضية الفلسطينية امتدادًا طبيعيًا لنضاله ضد الإمبريالية والصهيونية، ووجد في وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان حليفًا استراتيجيًا في معركة كبرى تتجاوز الحدود اللبنانية نحو تحرير فلسطين وتغيير الواقع العربي برمّته. هذا الدعم لم يكن مجرد تضامن عاطفي، بل نابع من رؤية أيديولوجية تتبنى الكفاح المسلح، ترفض الطائفية، وتحلم بثورة تقلب نظام الامتيازات الطائفية وتؤسس لدولة علمانية عادلة، لكن اليسار ارتكب خطأين قاتلين:
. الخطأ الأول: إهمال البعد الوطني اللبناني مقابل البعد الأممي/العروبي
في خضم اندفاعه نحو دعم المقاومة الفلسطينية، لم يستطع اليسار أن يرى بوضوح حجم التحولات الاجتماعية والمخاوف الطائفية التي كانت تتراكم في الشارع المسيحي، خصوصًا في ظل شعور فئة كبيرة من اللبنانيين أن السيادة اللبنانية صارت منقوصة، وأن الكيان اللبناني مهدد من الداخل
الخطأ الثاني: الارتهان العسكري
بدل أن يكون شريكًا نقديًا للفلسطينيين، صار اليسار – في جزء كبير منه – تابعًا عسكريًا لمنظمة التحرير، يستخدم سلاحها ويشارك في معاركها، مما أفقده استقلاليته السياسية، وجعله في نظر خصومه الداخليين ذراعًا فلسطينيًا على الأرض اللبنانية. وهذا ما فتح الباب لمزيد من الاستقطاب والاقتتال. وللمفارقة، اليسار الذي كان يرفض الطائفية كمبدأ، وجد نفسه في خضم صراع طائفي حاد، لا يستطيع التأثير عليه فعليًا. وتحولت شعاراته الكبيرة عن “الدولة العلمانية” إلى خطابات معزولة وسط بحر من الدم والانقسام. ومع دخول الحرب مراحلها الأكثر وحشية، بدأ دور اليسار يتراجع. فشل في الحفاظ على قاعدته الشعبية، وعجز عن فرض مشروعه، ووجد نفسه ممزقًا بين ولائه للفلسطينيين، وصعود اليمين المسيحي، وتقلّبات المواقف السورية، وصولًا إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 الذي كان ضربة قاصمة للحركة الوطنية وللمنظمة معًا. في المحصلة، دعم اليسار اللبناني للفلسطينيين كان قائمًا على مبادئ ينظره كانت عادلة، لكنه انزلق إلى تحالفات غير مدروسة، وافتقد إلى البُعد الاستراتيجي الوطني، ما أدى إلى تقهقره السياسي لاحقًا. لم يستطع بناء بديل فعلي عن النظام الطائفي، بل كان جزءًا من لحظة انفجاره. اليوم، يحمل اليسار اللبناني إرث الحرب مثقلًا بالإخفاقات، وفي الوقت نفسه، مفعمًا بإرث نضالي لا يُنكر. لكن اليسار بعد الحرب اللبنانية وجد نفسه بلا قاعدة جماهيرية واسعة، وبلا سلاح، وبلا مشروع جامع قادر على مخاطبة اللبنانيين في لحظة انهيار النظام الطائفي، الذي لطالما ادعى معاداته.
أ- تفكك الهوية اليسارية بعد الحرب
مع نهاية الحرب ودخول اتفاق الطائف حيّز التنفيذ، وجد اليسار نفسه خارج المعادلة السياسية الجديدة، التي أعادت توزيع السلطة بين قوى الطائفية التقليدية تحت غطاء سوري. سقطت الحركة الوطنية، وتفككت جبهاتها، وظهرت انقسامات داخل الأحزاب اليسارية حول الموقف من سوريا، والمقاومة، والخصخصة، وحتى من العمل السياسي بحد ذاته. الأحزاب اليسارية الكبرى، كالحزب الشيوعي اللبناني والتنظيم الشعبي الناصري، انحسرت قاعدتها الشعبية، وتقدمت عليها قوى ذات طابع طائفي أو إسلامي. لم تستطع هذه الأحزاب أن تعيد بناء خطاب جديد يستوعب المتغيرات، ولا أن تجدد قياداتها أو هياكلها التنظيمية بما يتماشى مع المرحلة
ب- إرث العلاقة مع منظمة التحرير
ارتباط اليسار العميق بالقضية الفلسطينية لا يزال قائمًا، لكنه فقد زخمه. فبعد انسحاب منظمة التحرير من لبنان، وتحوّل الصراع العربي الإسرائيلي إلى نزاع إقليمي أكثر منه مسألة تحرّر وطني، وجد اليسار نفسه متمسكًا بقضية عادلة، لكنها لم تعد تحرك الشارع اللبناني كما في السبعينات. لم ينجح في تحويل دعمه السابق للفلسطينيين إلى برنامج سياسي يعالج المسألة الفلسطينية من زاوية الحقوق المدنية للاجئين أو من منظور لبناني شامل.
ج- موقفه من المقاومة
عندما برز حزب الله كمقاومة فاعلة ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد 1982، انقسم اليسار:
جزء منه رأى في حزب الله امتدادًا للمشروع المقاوم، وتعاون معه سياسيًا وحتى انتخابيًا أحيانًا (مثل بعض مواقف الحزب الشيوعي) وآخر انتقد الطابع الديني للمقاومة ورفض وصاية أي حزب مسلح على القرار الوطني، ورأى أن حزب الله أعاد إنتاج منطق الدويلة داخل الدولة، هذا التناقض أفقد اليسار تماسكه. فلا هو استطاع أن يكون مع المقاومة كجزء منها، ولا أن يكون ضدها دون أن يظهر كمن يصطف مع الغرب أو مع السلطة الطائفية.
د- اليسار في انتفاضة 17 تشرين وما بعدها
الانتفاضة الشعبية عام 2019 كانت لحظة ذهبية ضائعة لليسار. فلأول مرة منذ عقود، رفع الشارع شعارًا قريبًا من أطروحاته: “كلن يعني كلن”، ورفض الطائفية والفساد لكن: الأحزاب اليسارية التقليدية لم تستطع أن تتصدر المشهد كما أن الحركات اليسارية الجديدة كانت مشتتة، وافتقرت إلى التنظيم والرؤية الواضحة، فكثير من الشباب الثائرين رفضوا الارتباط بأي حزب، بما في ذلك اليساريون، بسبب إرث الحرب والتحالفات القديمة. خلاصة القول، اليسار اللبناني اليوم يعيش أزمة هوية وتنظيم ورؤية. بين ماضيه الثوري وتحالفاته الإشكالية، وبين حاضره المتردّد في مخاطبة واقع جديد قائم على الانهيار المالي، والانفجار الاجتماعي، والصراع على الهوية، لكنه في الوقت نفسه، يملك فرصة نادرة: أن يعيد قراءة تاريخه بجرأة، وأن يؤسس لخطاب جذري جديد يتجاوز الخطاب الأيديولوجي الجامد، ويخاطب اللبنانيين من موقع المواطنة، العدالة الاجتماعية، والدولة المدنية الحقيقية.
اخيرا، إذا أراد اليسار اللبناني بناء الدولة عليه ان يعيد تموضعه ويعلن صراحة دعمه لقيام الدولة وتفكيك الدويلة والا سيكون قد وقع في الخطأ نفسه عدة مرات بمقاربات مختلفة ايها اليسار عليك ان تعي ان تصحيح الخطأ يكون بالعودة إلى لبنان والعمل على تقوية القومية اللبنانية ضد اي قومية اخرى ترى ان لبنان ساحة معركة وليس واحة سلام