
تُعدّ الشفافية من أهم الركائز بل أهمها والتي يقوم عليها العمل السياسي السليم. فهي ليست مجرّد مبدأ أخلاقي، بل أداة فعّالة لتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، وضمان المساءلة، ومكافحة الفساد، وتحقيق المشاركة الفعالة في صنع القرار. في هذا الإطار، تتحمّل الأحزاب السياسية مسؤولية كبرى في تكريس الشفافية داخل بنيتها التنظيمية، وفي أدائها العام. فالحزب الذي يسعى إلى تمثيل المواطن والدفاع عن مصالحه، يجب أن يكون أنموذجًا في الوضوح والإفصاح، سواء من حيث مصادر تمويله، أو آليات اتخاذ القرار داخله، أو مواقفه من القضايا الوطنية، وخاصة المصيرية منها. إنّ تعزيز الشفافية داخل الأحزاب لا يقتصر على الداخل الحزبي فحسب، بل يمتد ليشمل علاقاتها مع الدولة، ومع المواطنين، ومع وسائل الإعلام أيضا. فكلما كانت مواقف الحزب واضحة كلما التزم بإعلان برامجه وخططه بشكل صريح، كلما زادت فرصه في كسب ثقة الناس، والمساهمة في بناء حياة سياسية صحية. لكن السؤال، هل من محاسبة للأحزاب وماذا عن تغيير مواقفها وهل وسائل الاعلام تقوم بما يلزم أم أنها وسائل اعلام موجهة؟ سؤال بحاجة الى جواب في عصر يشهد تطورًا كبيرًا في وسائل التواصل والانفتاح المعلوماتي، لم تعد الشفافية خيارًا، بل ضرورة لا يمكن تجاوزها. وعلى الأحزاب أن توظّف هذه الأدوات الحديثة لتقوية صلتها بالجمهور، ومشاركة المعلومات بشكل مباشر ومستمر، بما يرسّخ ثقافة الرقابة والمساءلة.
من هنا، يمكن القول إن الشفافية هي بوابة الإصلاح السياسي الحقيقي، والحزب الذي يجعل منها نهجًا ثابتًا في عمله، إنما يسهم في إرساء دولة القانون، ويؤسس لمرحلة جديدة من الوعي والمشاركة الشعبية.
الشفافية السياسية في لبنان: ضرورة أم ترف؟
في بلد مثل لبنان، حيث تتشابك الطائفية مع الزبائنية، وتختلط السياسة بالإقطاعية، تصبح الشفافية السياسية أكثر من مجرد شعار، إنها معركة بحد ذاتها فالعمل السياسي في لبنان، ومنذ نشوء الجمهورية، ظلّ أسير الصفقات المغلقة، والتفاهمات خلف الأبواب السوداء المغلقة والتمويل الغامض، وتوزيع المناصب على قاعدة الولاء لا الكفاءة. وبدلاً من أن تكون الأحزاب أدوات تغيير، تحوّل الكثير منها إلى امتداد لزعامات طائفية، وظيفتها الأساسية إدارة النفوذ لا بناء الوطن.
أين الأحزاب من الشفافية؟ الأحزاب اللبنانية، بمعظمها، تفتقر إلى قواعد واضحة في إدارة شؤونها الداخلية، لا توجد محاسبة فعلية، لا إفصاح عن مصادر التمويل، لا آلية شفافة لاختيار القيادات، ولا برامج واضحة تلتزم بها أمام الناس.
والنتيجة، شعب غارق في الإحباط، يرى في السياسة مجالًا للفشل لا للتغيير. أما الشباب، فإما يهاجرون أو ينكفئون عن الشأن العام. ولكن، هل بالإمكان قلب المعادلة؟ نعم إذا أرادت بعض الأحزاب، خصوصًا تلك الخارجة من رحم الانتفاضات أو المبادرات المدنية، أن تكسر الحلقة المفرغة، الشفافية هنا ليست رفاهية، بل سلاح سياسي يُعيد المعنى إلى الفعل السياسي أن يعلن حزب عن ميزانيته، عن كيفية اتخاذ قراراته، عن تمويل حملاته الانتخابية، وأن يفتح بابه للمحاسبة… فهذا بحد ذاته فعل ثوري في لبنان. السؤال الأساسي من يجرؤ من الأحزاب فليتفضل، الشفافية تبني الثقة، والثقة تعني قوة، المواطن اللبناني، الذي اعتاد على وعود لا تُنفّذ، يحتاج إلى ما هو أكثر من شعارات يحتاج إلى حزب يُشبهه، واضح، صادق، ومكشوف الحساب، حزب لا يتعامل مع جمهوره كجمهور طائفي، بل كمواطنين متساوين، حزب يتعامل مع السياسة كوسيلة للخدمة العامة، لا كأداة للنهب والمحاصصة، وما ادراكم كيف يتم النهب وكيف تتم المحاصصة؟
الشفافية، في السياق اللبناني، ليست خيارًا تكتيكيًا. إنها الخيار الاستراتيجي الوحيد لاستعادة السياسة من قبضة الطائفية، ولبناء عقد اجتماعي جديد والأحزاب التي لا تفهم ذلك، ستبقى عالقة في زمن انتهى زمن ما قبل الانفجار
حزب الله والشفافية، بين التنظيم الحديدي والغموض المؤسسي
ومن بين كل الأحزاب اللبنانية، يُعد حزب الله الأكثر انضباطًا وتنظيمًا داخليًا عنده هيكلية حزبية دقيقة ، خطاب واضح، وقاعدة شعبية واسعة ومتماسكة، خصوصًا في بيئته الشيعية لكن حين نتكلم عن الشفافية بمفهومها الديمقراطي والسياسي، فالصورة تختلف.
التمويل، أكبر علامات الاستفهام
أحد أبرز الملفات التي تفتقر للشفافية عند حزب الله هو مصادر التمويل، الحزب نفسه لا يخفي أن الجزء الأكبر من تمويله يأتي من إيران، كما صرّح أمينه العام الأسبق علنًا. لكن لا توجد أرقام أو تقارير مالية واضحة تُفصّل كيف تُدار هذه الأموال؟
كيف تُوزّع داخليًا؟
ما حجم الإنفاق على النشاط السياسي مقارنة بالعسكري والاجتماعي؟
كلها أسئلة خارج متناول الإعلام والمواطن اللبناني، وحتى حلفاء الحزب، أسئلة كانت من المحرمات في الحقبة السابقة لكن هل حان الوقت كي يصبح حال حزب الله كسائر الأحزاب اللبنانية عاملا بحسب علم وخبر من وزارة الداخلية دوره السياسي المزدوج، حزب الله هو حزب ممثّل في مجلس النواب والحكومة، لكنه في الوقت نفسه يملك جناحًا عسكريًا قوياً كما ويملك جهازا أمنيا يعتبر من الأقوى وهذا الوضع يخلق تناقضًا صارخًا. كيف يمكن لحزب أن يكون جزءًا من الدولة، وفي الوقت نفسه يمتلك أدوات تفوق الدولة ولا سلطة للدولة عليها.
هذا التداخل بين الدولة والمقاومة يجعل من الشفافية والمساءلة أمرًا شبه مستحيل، لأنه لا يمكن مراقبة أو محاسبة مؤسسة تعمل خارج الإطار الرسمي، الهيكل الداخلي… منظم لكنه غير ديمقراطي، يُعرف الحزب بانضباطه الداخلي، لكن قيادته لا تُنتخب بطريقة ديمقراطية علنية، ولا يعلن عن آليات اتخاذ القرار، ولا عن النقاشات الداخلية التي تقود لتبني المواقف السياسية الكبرى، خصوصًا تلك المرتبطة بسياسة لبنان الخارجية، بهذا المعنى شأنه شأن الأحزاب الأخرى
الخطاب الإعلامي واضح لكن باتجاه واحد، صحيح أن حزب الله يمتلك واحدة من أقوى المنصات الإعلامية في لبنان (قناة المنار، مواقع إلكترونية، جهاز إعلامي محترف)، لكن هذا الإعلام يُستخدم بشكل أساسي للدفاع عن سردية الحزب ومواقفه، وليس لممارسة الشفافية أو نقل معلومات نقدية من الداخل إلى الرأي العام. كما وأن هذا الجهاز يخون الى حد ما كل فريق يحاول المناداة بتوقف حزب الله عن العمل خارج سلطة الدولة. الخلاصة حزب قوي التنظيم، ضعيف الشفافية فإذا أردنا أن نُقيّم حزب الله بمقياس الشفافية، يمكن القول إنّه واحد من أكثر الأحزاب اللبنانية فعالية تنظيمية، لكنه من أقلها شفافية ومساءلة فهو ليس الوحيد في هذا، لكنه الأكثر تأثيرًا، وبالتالي غياب الشفافية عنده له انعكاسات وطنية كبرى. في دولة مأزومة مثل لبنان، وجود قوة سياسية بهذا الحجم والتأثير، دون آليات رقابة واضحة أو مساءلة علنية، يُبقي المشهد السياسي هشًا، ويُضعف ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية ككل.
أخيرا، ليس المهم أن ننادي بالسيادة والوطنية واحزابنا بالأساس ليس لها مفهوم واحد حول السيادة وحول الوطنية. حتى أن مفهوم الوطن بالنسبة إليهم له ارتباطات أقلها إنها لا تصب في مصلحة لبنان العليا، هل تساءل المواطن اللبناني مثلاُ لماذا كلما لمع نجم زعيم في الوطن العربي نرى انقساما في شارعنا الهش؟؟ كنت اشاهد الكثير من السياسيين يفتخرون بولائهم لزعيم غير لبناني وبالوقت عينه يستهزؤون من رأس السلطة اللبنانية ومن رجالات الدولة.
فعلا إنه منطق عجيب لبعض السياسيين الذين يجب يحاكموا ليس فقط بالخيانة العظمى بل بتهمة الغباء السياسي