
التاريخ يكرر نفسه
كنتُ أمشي في شوارع مدينةٍ سيرافية لا تشبه مدن الأرض، شوارعها من الكريستال، ينعكس عليها ضوء لا يصدر من شمسٍ ولا من قمر، بل من قلب المدينة نفسها. كانت بيوتها من الماس، شفّافةً إلى حدّ أنك ترى ما وراءها، وتدرك أن المادة هناك ليست سوى فكرةٍ متجسدة. نوافذها تطلّ على مدينتين، إحداهما من نورٍ كارّوبيّ، كأنها واحة من أنفس بلغت الطهارة، والأخرى على بيوتٍ أرضيةٍ مظلمةٍ يغشاها الغبار، كأنها مرآة لعالمنا السفلي. في تلك المدينة، سمعتُ أفكار رجلٍ مجنونٍ فقيرٍ، يتسول المحبة عند أقدام الآلهة، لا يطلب مالاً ولا مأوى، بل نظرة من العطف الإلهي. بدا لي كأنه مخلوقٌ خرج من أسطورة نسيها الزمن. دنوتُ منه وسألته كيف نال حظوته في هذا المقام الشفاف، فقال بهدوءٍ يشبه الحكمة القديمة توجد مقولة ترددها معظم الشعوب، التاريخ يكرر نفسه. ابتسمتُ وظننتُه يردد ما حفظه الناس عن ظهر غفلة، فقلت: أصبت، فنظر إليّ نظرةً اخترقت أزمنة الإدراك قائلاً: الغباء الذي ينظر به الناس إلى الأحداث يجعلهم يفكرون هكذا، إنهم لا يفهمون أن التاريخ لا يكرر نفسه، بل البشر هم من يدورون في حلقاته لأنهم لم يتعلموا الدرس الأول بعد. ثم رفع عينيه نحو سماء المدينة، حيث تتقاطع ألوان لا تُرى في أرضنا، وقال: هل تدري أن حديثنا هذا شائق؟ كأن التاريخ يعيد نفسه لا بالأحداث، بل بالوعي نفسه الذي لم يتبدّل منذ أول خطيئة. سكت، وابتسم، ثم مشى بخطى خفيفة كمن يعرف وجهته منذ الأزل، وقال قبل أن يختفي في الضباب النوراني. أنا ذاهب إلى الحج، لكن ليس إلى الكعبة ولا إلى اورشليم ولا الى جبل الكرمل اللبناني، بل إلى النقطة التي تلتقي فيها البداية بالنهاية. بقيتُ وحيداً في المدينة السيرافية، أتأمل انعكاسي على بلّور الطريق، فلم أرَ صورتي، بل رأيته هو، يبتسم من بعيد، كأنما ترك في داخلي صدى السؤال الذي لا ينتهي. هل التاريخ يعيد نفسه حقاً، أم نحن من نعيد غفلتنا كل مرة في ثوبٍ جديد؟