
قال الراهب لأخيه وهو يدخل قلايته وقد لفّ المساء الدير بسكونٍ، مساء الخير يا أخي، جئتُ أعترف لك بما يثقل قلبي، أجابه الآخر مبتسماً بعينٍ برَاقة، وأنا جئتُ أحمل اعترافي ولكن تفضّل، اعترافك أولاً. قال الراهب بصوتٍ متهدّج، اليوم خنتُ الأمانة، فكّرتُ بالأرض أكثر مما فكّرتُ بالسماء، واشتاقت نفسي إلى تراب العالم بدل نور الفردوس. لا أدري لِمَ فعلتُ ذلك يا أخي ضعفتُ، فارحمني واغفر لي، أطرق الراهب الثاني برهةً ثم قال بحزنٍ رقيق، وكيف أغفر لك وأنا أيضاً خطِئت؟ لقد تسلّل إلى قلبي الحنين إلى ما تركتُ وراء الأسوار، فوجدتني أسأل نفسي: هل أنا في السماء حقاً، أم في سجنٍ من القداسة؟ ابتسم الأول وقال وقد أشرق وجهه بنور البصيرة، يا أخي، كثيراً ما نظنّ أننا نفكّر بالأرض، لكننا في الحقيقة نحاول أن نصنع منها سماء. فليس المكان هو ما يقدّس النفس، بل حضور الله فيها. أجابه الثاني وقد رقّ صوته كهمس صلاة، صدقتَ يا أخي، حين يكون يسوع في القلب، هناك تكون السماء. فقال الأول وهو يضع يده على كتف أخيه. والآن، اغفر لي كما يغفر الربّ لكل من عاد إليه. بابتسامة ملائكية قال: مغفورة خطاياك يا ابن السماء، لأنك عرفت أن الضعف طريق المعرفة، وأن التوبة جسرٌ بين الأرض والملكوت. وساد بينهما صمتٌ عميق، كأن الملائكة تمرّ في أروقة الدير، تحمل اعترافهما إلى العرش الأعلى.